array(1) { [0]=> object(stdClass)#14443 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 215

بيروت بحاجة لجهد السعودية للحل السلمي ونزع فتيل الأزمات وإبطال حجج إسرائيل لتعزيز الوطنية الشاملة

الأربعاء، 29 تشرين1/أكتوير 2025

في عالم دولي أحادي القطبية، تتحكّم في إدارته الدولة التي تتربع منفردة على عرش القطبية الدولية كدولة عظمى، ويكون للدول الكبرى فيه مساحة تحرّك لتحقيق مصالحها، تظهر دول الجنوب والتي هي الفاعل الأقل تأثيرًا في العلاقات الدولية، كمسرح أحداث، تحاول الدولة العظمى والدول الكبرى إما ان تتحكم فيها أو تجذبها نحوها. وفق هذا التصور، تبني دول الجنوب، سياساتها الخارجية لتحقيق أهدافها. من هذه الدول من تكون له تطلعات تتجاوز المنطق والواقع فتعمل على فتح مسارات خطيرة تراهن فيها على تحالفات مبنية على تناقضات غير آمنة. وعندما تقع الاصطدامات الكبرى بين مشاريع متناقضة تتساقط أوراق هذه الدول.

وفي المقابل، هناك دول تقرأ التاريخ، فتحمل الطموح بيد والزئبق باليد الثانيةً، فلا تراهن على الغير وإنما تجلس على الطاولة فتحسب الصغيرة قبل الكبيرة، لتبني سياساتها الخارجية لحماية المتوفر والسعي للأكثر.

تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج واضح لهذا الصنف الجديد من الدول، فالمملكة طورت الكثير من مسارات سياساتها، ليس بالضرورة لأنها لم تكن مجدية، وإنما لأن توزيع القوة في الواقع الدولي يتطلب التغيير المطلوب. هذا المعطى يطرح سؤالًا متعدد الأبعاد عن السياسات والآليات التي تعتمدها المملكة في عهدها الجديد لصناعة السلام والمستقبل وتحقيق التطلعات.

أولاً- وساطات ومبادرات المملكة في حل الأزمات الدولية والإقليمية:

يسود اعتقاد راسخ لدى صناع القرار في المملكة أن تحقيق السلام الدولي بات مطلبًا عالميًا، فشعوب العالم باتت تكره الحروب والتي أصبحت مع تقنيات القتل الجديدة أكثر قذارة. ويسود اعتقاد مواز أن السلام هو الوعاء الدولي الذي تسكب فيه التنمية الاقتصادية، ويحقق مصالح الجميع. هي تدرك كفاعل مؤثر أن دورها قد لا يكون حاسماً، فالنزاعات الدولية لها أبعاد جيوسياسية كبرى، لكنها رغم ذلك تتوسط لتحقيق الممكن. وأن دورها كوسيط موثوق لا يدخل في إطار التسويق الإعلامي، بقدر ما يدخل في سياق سياسة خارجية محددة الأهداف، فهي وقبل إطلاق مساعيها الدولية والقيام بوساطاتها، التفتت إلى الملفات التي لطالما شكلت بالنسبة إليها معوقات وعملت على فكفكتها. يبدو واضحًا أن المسألة بالنسبة للمملكة ليست مجرد تصفير للمشاكل، وإنما هي تصفير مترافق مع حمل ميزان قوة. هكذا يمكن فهم العلاقات الجديدة بينها وبين إيران عبر القطب الصيني. وهكذا يمكن فهم خروج السعودية من الاتفاق مع إيران لتلعب هي نفس دور الصين، لكن هذه المرة في الحرب اليمنية، فهي دخلت على خط الأزمة هناك كوسيط لا كطرف. وهو تصفير شامل لا منعزل، فأن يطلب أمين عام حزب الله نعيم قاسم فتح صفحة جديدة مع المملكة، فهذا قول ما كان له أن يحدث لولا نزع صاعق الفتيل مع إيران في لحظة استراتيجية أدركتها المملكة. إن انسحاب الثقل السعودي من أزمات الدول كطرف، جعل هذه الدول تشعر بالفراغ لتصبح المملكة مطلبًا للتدخل والوساطة. مثّلت الوساطة السعودية بين روسيا وأوكرانيا أبرز عمليات الوساطة السعودية دوليًا، وقد أثمرت عام 2022م، في الإفراج عن عشرات الأسرى بين الدولتين. وفي الحرب الدائرة في السودان قادت المملكة ومنذ أبريل 2023 م، وساطة لوقف الحرب وإعادة الاستقرار أثمرت في التوصل إلى إعلان جدة الإنساني في 6 مايو 2023م، والذي امّن حماية للمدنيين. وكان دورها بارزًا في اتفاق السلام التاريخي بين إريتريا وإثيوبيا عام 2018م.

وفيما يتعلق بمبادراتها لحل الأزمات، فإن مبادرتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية والقاضية بحل الدولتين، ليست بالتقليدية، ففيها قادت المملكة العالم وحركت المياه الراكدة بقوة. وأن التحالف الدولي الذي شيّدته مؤخرًا للحل برز كعاصفة دبلوماسية. وقد نجحت المبادرة السعودية، بالشكل والمضمون، في محاصرة الكيان الإسرائيلي أخلاقيًا وقانونيًا. وأول ما انتجته المبادرة ازدياد في عدد الدول المعترفة بفلسطين كدولة حيث تجاوز العدد 150 دولة.

ثانياً- الدور التاريخي للمملكة في إنهاء الحرب الأهلية في لبنان

إذا كانت المملكة العربية السعودية تتصدر العالم الدولي في المبادرات والوساطات لحل الأزمات وتجفيف منابع التوترات في العالم والإقليم، فإن هذا الموقع لم يأت من فراغ، فهي تملك ما يمكن تسميته بـ “ثقافة الدبلوماسية". ففي لبنان وبينما كان العالم الدولي منقسمًا وتحاول الدول الكبرى زرع بذور نفوذ لها خصوصًا في الشرق الأوسط، كانت محرّكات الدبلوماسية السعودية تفعل فعلها لإنهاء الحروب، وكان النموذج الدبلوماسي الناجح عالميًا هو اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان بعد خمسة عشر عامًا من نشوبها، ففي عام 1989م، اجتمع اللبنانيون بكل أطيافهم ومذاهبهم ومشاربهم في مدينة الطائف السعودية، ولم ينفض اجتماعهم إلا بالتوقيع على اتفاق أنهى الحرب المستعرة. وقد شكل الطائف منعطفًا في لبنان على كافة المستويات، السياسية والدستورية والاجتماعية والاقتصادية والطائفية، كونه لم يكن مجرد اتفاق سلام عادي، فالذي انجزته المملكة بموجبه نقل لبنان من الجمهورية الأولى إلى الجمهورية الثانية، وأعاد تكوين السلطة بما يرضي كل الأطراف والمذاهب في بلد معقد التكوين.

ثالثاً- الدور المأمول للمملكة في لبنان في ظل مهددات اتفاق الطائف

إن الجملة التي تّردد من قبل المحللين اليوم كلما تم ذكر اتفاق الطائف هي تخلى بعض اللبنانيين عن كثير من عناصر الاتفاق، والذي لو طُبق لما عانى لبنان ما عاناه بعد ذلك. فمما لا شك فيه أن الكثير من بنود الطائف لم تحترمها الأطراف السياسية اللبنانية، سواء اللامركزية الإدارية أو إلغاء الطائفية السياسية، لكن يبقى البند المتعلق ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحل جميع الميليشيات هو البند الذي يشكل مقتلًا للدولة ككيان وجودي.

 وبعد أن أثبتت الأحداث منذ أكثر من عقدين من الزمن أن سلاح حزب الله خرج عن إطار المنطق القانوني للمقاومة، وبعد اقتناع الطيف الأكبر من اللبنانيين بالارتدادات السلبية لهذا السلاح على السلم الأهلي والذي هو الشرط الأول لمواجهة الأطماع الإسرائيلية، اتخذ العهد الجديد في لبنان، وبتوافق تام بين رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام والغالبية المطلقة من الوزراء والنواب، القرار الاستراتيجي ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي ونزع كل سلاح خارج إطار الشرعية. وقد استجاب الفلسطينيون في مخيمات لبنان للإرادة اللبنانية، في حين لم يزل حزب الله يناور، لحسابات لها علاقة بإيران لا بإسرائيل ولبنان. أما المنطق الذي يسوقه الحزب للإبقاء على سلاحه، فيتمثل في تفسير أحادي لاتفاق الطائف، لا يوافقه فيه جمهور رجال القانون في لبنان، فكلمة "الإجراءات" التي وردت في نص وثيقة الطائف في إطار الحديث عن تحرير الأراضي اللبنانية فسرها الحزب على لسان أمينه العام بأنه تشكل المقاومة، ما يعني أن الطائف منح شرعية لحزب الله العسكري.

 وكمتخصصين في القانون العام، يدفعنا منطق الحزب للعودة إلى نصوص الطائف وتفسيرات فقهاء الدستور في لبنان. ففي وثيقة الطائف هناك بندان؛ البند (ثانياً) والمعنون بـ “بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية"، وجاء فيه حرفيًا: "الإعلان عن حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية خلال ستة أشهر تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني..". وهناك البند (ثالثاً: تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي)، والذي نص على أن "استعادة سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً تتطلب الآتي:

  • العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن القاضية بإزالة الاحتلال الإسرائيلي.

ج- اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها..".

يبدو واضحًا أن الطائف فَصَل بين بندي حل الميليشيات والتحرير، لا بل قدّم بند حل الميليشيات على بند التحرير، وكأنه بذلك يضع التحرير في دائرة الدولة والإجماع الوطني ولا دخل للميليشيات بهما. وهنا يقدم الفقيه الدستوري العميد الدكتور أمين صليبا، قراءة متوازنة، حيث يقول بأن وثيقة الطائف تعترف "بأن الجيش هو وحده الذي يوكل إليه الدفاع عن الوطن... أما في البند الثالث الوارد في هذا الاتفاق حول تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، فالنص واضح ولا إشارة فيه إلى المقاومة بأي شكل"، مشيراً إلى أن هذا البند "ينص على العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بإزالة الاحتلال الإسرائيلي". وبدوره، فالنائب والوزير السابق بطرس حرب، وهو أحد المشاركين في صياغة اتفاق الطائف، يحسم الشك باليقين بالقول إن "الاتفاق نصّ بوضوح على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة، من دون أي استثناءات. وكل ما يُقال عن أن الطائف أجاز استمرار سلاح المقاومة أو استثناه هو تزوير للتاريخ"، ويعتبر أن ما جرى لاحقاً كان نتيجة مباشرة لوصاية دمشق، التي "عطّلت التنفيذ وحمت وجود ميليشيات مسلّحة، وعلى رأسها (حزب الله)، بذريعة مقاومة الاحتلال، بينما كانت تحكم قبضتها على القرار السياسي والأمني اللبناني".

ويذهب الجمهور الواسع من النواب اللبنانيين إلى أبعد من ذلك، فالنائب الطرابلسي إيهاب مطر مثلًا يضع معادلة واضحة مفادها "قرار سحب السلاح هو تطبيق لبنود اتفاق الطائف"، وهي معادلة رددها العديد من النواب السًنة والمسيحيين والدروز وشخصيات شيعية وازنة في لبنان. أما النائب عن صيدا أسامة سعد فقدم تفسيراً استشرافيًا للطائف، ففي خطابه الشهير في 16 سبتمبر الماضي والذي اتهم فيه حزب الله بمذهبية المقاومة ومصادرتها، يقول بأن "الدولة قررت احتكار السلاح وحصريته بيدها، هذا أمر يترتب عليه مسؤولية التصدي للعدوان وتحرير الأرض. إن لم تفعل فإن أمر احتكار السلاح وحصريته سوف يسقط من يدها ليقع بِيَدِ العدو. نسلّم بحصرية السلاح بيد الدولة على أساس مواجهة العدوان"، وهو بهذا الكلام يريد القول بأن سلاح حزب الله ليس فقط مهددًا للطائف وإنما مهددًا للدولة والشرعية ومستجلبًا للعدو.

لكن أين يبرز دور المملكة في معادلة تثبيت اتفاق الطائف ومساعدة لبنان؟

لقد خطت المملكة منذ سنوات خطوة متقدمة في لبنان كان لها انعكاساتها الإيجابية الكبيرة على مسرح السياسة اللبنانية، فبعد أن كان حزب الله وأتباعه في لبنان يتهمون المملكة بدعم طائفة دون غيرها، بادرت المملكة إلى تعزيز سياساتها مع لبنان بالحياد الإيجابي، فهي صديقة لكل اللبنانية وتريد مصلحة لبنان، وقد أنتجت هذه السياسة أريحية واسعة عند سياسيين لبنانيين كثر من كل الطوائف والمذاهب، يخاطبون المملكة ويطلبون دعمها للبنان، كدولة صديقة. وهي بدورها تمد يدها إلى لبنان للخروج من مشاكله السياسية والاقتصادية، لكن على قاعدة بناء الدولة الخالية من شرعيات منافسة.

إن لبنان في هذه المرحلة بحاجة إلى أشقائه وأصدقائه، أكثر من أي وقت مضى، وأن مبادرة تنطلق من المملكة العربية السعودية وتؤطر في جسد مجلس التعاون الخليجي كمنظمة تضم دولًا تريد للبنان خيراً، قد تساهم بشكل كبير في إيجاد حل لمعضلة سلاح حزب الله، ويمكن الاستفادة في هذا الموضوع من حجم العلاقات الضخمة للمملكة مع الدول النافذة دوليًا والمؤثرة إقليميًا، خصوصًا أن منطق الحل السلمي ونزع فتيل الأزمات وتفريغ جعبة إسرائيل من الحجج، قد تشكل فرصة أخيرة لإصلاح الأمور وتمتين وطنية شاملة وحقيقية في لبنان.

مقالات لنفس الكاتب