في خضم التحول العالمي المتسارع نحو التعددية القطبية، نأى الجنوب العالمي بنفسه عن مقاعد المتفرجين في مساري السلام والتنمية. ومع استشراف العام الجديد، تنخرط دول الجنوب في سياق دراماتيكي معقد، تتقاسمه تحديات جسيمة وفرص واعدة. وذلك بعد أن شكل عام 2025م، اختبَارًا لصلابة مجتمعاتها إزاء التقلبات الاقتصادية، والتوترات الأيديولوجية-الاجتماعية المتفاقمة، والصدمات المناخية، والاستقطاب الأيديولوجي، وأوجه عدم المساواة المستمرة.
ورغم كافة التحديات، استطاع الجنوب العالمي تدريجيًا أن يتحدى الجمود وفجوات الماضي والحاضر الجيوسياسية. وذلك عبر رعاية مقترحات جديدة للسياسة العامة وتطويرها بشكل مبتكر، وتدعيمها بواسطة مجموعة متنوعة من البنى التحتية السياسية التي تُشكل مستقبل الحوكمة العالمية. بالتزامن مع انحسار المكانة العالمية للولايات المتحدة وأوروبا وتآكل مِصداقيتهما.
على الصعيد الجيوسياسي، واجهت دول الجنوب بيئة دولية مشحونة بالاستقطاب، حيث ألقى التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى بظلاله على الدول المتوسطة والصغيرة، ممارساً عليها ضغوطاً للاصطفاف ضمن تكتلات متصارعة، لا سيما في ملفات المعايير التقنية، وتحولات الطاقة، وقضايا السلام والأمن والتعاون. وفي الوقت ذاته، أدت منظومة العقوبات والقيود التجارية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية إلى تعقيد استراتيجيات السلام والتنمية في هذه الدول.
كما أصبحت المؤسسات الدولية والسرديات السائدة موضعًا للشك، وعدم اليقين، والتكذيب جراء الأزمات السياسية المتلاحقة التي باتت تقوض من الهيمنة الغربية سواء كانت تلك التي تمس حقوق الإنسان أو شؤون الحكم. بما في ذلك جرائم الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني من قبل إسرائيل وحلفائها الغربيين، أو التهديدات بالتدخل عسكريًا في فنزويلا. وكذلك التصدعات داخل بنية النموذج الأمني الغربي ما بعد 1945م، التي كشفتها حرب روسيا على أوكرانيا. وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
وفي هذا السياق، يتعين المضي قدماً في إبراز ودعم الابتكار الجليّ في صيغ التعاون بين دول الجنوب العالمي، وما تظهره من حزم دبلوماسي. إذ يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على نماذج بارزة للتكاتف في سبيل إرساء السلام والتنمية والأمن الإنساني، وهي نماذج لا تفتقر إلى الأهمية التي تستوجب الالتفات إليها. وبالاستشراف نحو العام الجديد، تبرز قدرة الجنوب العالمي على تحويل الدروس المستفادة إلى سياسات متسقة كعامل حاسم في تعزيز دوره لرسم ملامح نظام دولي أكثر تعددية وشمولاً.
استجابات الجنوب العالمي في عام 2025: بين مرونة التكيف وآفاق الابتكار
تمدد نطاق تحالف بريكس
عكس التوسع في عضوية التكتلات الدولية، كـتجمع «بريكس»، والمساعي الرامية لتمكينه، نزعة متزايدة نحو حيازة ثقل تفاوضي جماعي يهدف إلى إقرار إصلاحات مؤسسية شاملة. ومن هذا المنطلق، يغدو انضمام الأعضاء الجدد (مصر، وإثيوبيا، وإيران، والإمارات) رافداً لتعزيز الإرادة المشتركة للمجموعة، وقدرتها على تنمية التبادل التجاري بين دول العالم النامي، وتطوير الآليات المالية كالبنوك الإنمائية وترتيبات التسوية بالعملات المحلية؛ بما يحدّ من الارتهان للمؤسسات التقليدية الخاضعة للهيمنة الغربية. كما أن تضافر الجهود في هذه المسارات من شأنه ترسيخ القدرة على الصمود والاستقلالية، وفتح آفاق اقتصادية بديلة تكفل توفير الفرص التنموية والاجتماعية لشعوب الجنوب العالمي
بشكل عام، تؤكد المواقف المنسقة حول التمويل الإنمائي، والمسؤولية المناخية، وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية على المطلب المشترك لانتزاع صوت أعلى ومساحة أكبر للتعبير. وفي حين أن الإجماع لم يكن مبدأً شاملا، فإن القدرة على صياغة مصالح مشتركة يمثل تطورا مهما. ومن اللافت أن العام الماضي شهد توطيد للعلاَقات الداخلية بين دول تكتل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، بما يعكس استياء مشتركا من أداء هياكل الحوكمة العالمية القائمة.
ومن المرجح أن يظل تكتل بريكس خلال عام 2026 م، محتفظًا بدوره كمنتدى لتحديد جدول الأعمال وتحقيق توازن رمزي أمام الهيمنة الغربية أكثر من أن يكون تحالفًا مُقيَداً بضوابط مُحكمة. كما تظل فعاليته مرهونة بقدرة الأعضاء على تجاوز نطاق التوسع إلى التعاون العملي، لاسيما على صعيد آليات التسويات التجارية، والتمويل الإنمائي، وتنسيق الاستجابات وقت الأزمات. وما يفوق ذلك أهمية، أن المنضمين لـ “بريكس +" في حاجة لإظهار أن الإنجازات الدبلوماسية تُستمد من عوائدها الملموسة على الشعوب والمواطنين؛ باعتبار ذلك السبيل الوحيد للحفاظ على شرعية العمل المشترك.
الوسطاء الصاعدون من الجنوب العالمي ودعاة المساءلة
من السمات المميزة الأخرى للجنوب العالمي الواعد، الدور البارز الذي تلعبه بعض الدول والكيانات الإقليمية في الدفع بجهود الوساطة والتفاوض السلمي. وهنا تجدر الإشارة، على سبيل المثال، إلى المبادرة الدبلوماسية الخاصة بمؤتمر دعم حل الدولتين الذي تم تنظيمه تحت رعاية المملكة العربية السعودية وفرنسا. وتسلط هذه المبادرة الضوء على دور الجنوب العالمي المتنامي في التوسط لحل الصراعات، والمبادرة أعادت إحياء الاهتمام العالمي بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وإمكانية ظهور تحالفات أوسع نطاقا بخلاف جهات الوساطة التقليدية.
على نحو مماثل، برز الدور القطري كوسيط يعتد به في إنهاء الصراعات. حيث لعبت الدولة الخليجية دورًا مهمًا كوسيط في احتواء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لاسيما في المفاوضات بين إسرائيل وحركة حماس. ورغم الكم الهائل من الأزمات، إلا أن التدخل القطري ساهم في تأطير اتفاقات وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن والمعتقلين، والجهود الدبلوماسية الأوسع. كذلك تواصل دول الجنوب العالمي الصاعدة مثل البرازيل توفير أصوات دولية بديلة ضد سلوكيات القوى الغربية العدوانية.
تماشيًا مع هذا السياق، يشكل تأسيس "مجموعة لاهاي"، التي تعد تحالفًا غير رسمي بين الدول التي تدعم آليات المساءلة القانونية، وبالأخص من خلال محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بالحرب على غزة من بين أهم التطورات الدولية التي شهدها عام 2025م، كما أنها تعكس مدى تطور النفوذ والاستقلال السياسي للجنوب العالمي. وبالرغم من أنها لا تعد منظمة رسمية، فإن “مجموعة لاهاي" ترمز إلى إرادة متجددة بين أجزاء من الجنوب العالمي لاستحضار القانون الدولي باعتباره أداة لممارسة النفوذ السياسي بدلًا من أن يظل مجرد شعاراً بلاغيًا.
أهمية "مجموعة لاهاي" لا تكمن في قوة تماسكها من الناحية المؤسسية بقدر تحديها المعياري للتطبيق الانتقائي للقانون الدولي. فقد قامت العديد من دول الجنوب العالمي بتأطير مواقفها ليس ككيانات مُعادية للغرب، بل كتعبير عن الرفض لما تعتبره ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الإنساني. ويعكس هذا الموقف تحولا أكبر، إذ تسعى دول جنوب الكرة الأرضية من خلاله إلى إعادة تعريف الشرعية في الحوكمة العالمية عبر النقاشات القانونية، والأخلاقية، ومتعددة الأطراف بدلا من القوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها. مع ذلك، لا تزال الانقسامات الداخلية حاضرة بوضوح نظرا لعدم توافر استعداد لدى كافة دول الجنوب العالمي للمخاطرة بإثارة ردود فعل دبلوماسية أو اقتصادية عبر تأييدها العلني للإجراءات القانونية. بما يؤكد أن هذه الائتلافات القائمة على قواعد بقدر ما تبشر بإمكانات، تعاني من قيود تحت ضغط نظام دولي متشرذم.
نفوذ جنوب إفريقيا
في إطار أشمل، أصبحت التوترات الناشبة بين جنوب إفريقيا والولايات المتحدة خلال عام 2025 تجسيدا لسعي الجنوب العالمي لتحقيق توازن بين التزاماته المعيارية وشراكاته الاستراتيجية. حيث اعتبرت واشنطن أن المواقف القانونية والدبلوماسية لجنوب إفريقيا- وبالأخص فيما يتعلق بـلجوء الأخيرة إلى المؤسسات الدولية القانونية وانخراطها مع تجمع بريكس- انحرافا عن التحالف التقليدي مع الغرب. على النقيض، ترى بريتوريا أن مواقفها تتسق مع التزاماتها الدستورية بالقانون الدولي، وحقوق الإنسان، وسياسة عدم الانحياز التي تتبعها.
كما كشف تدهور لغة الخطابة بين الجانبين الغطاء عن توترات هيكلية أشد عمقا. فبينما يتوقع الجانب الأمريكي انحيازا للأولويات الجيوسياسية، تولي جنوب إفريقيا -شأنها في ذلك شأن العديد من بلدان الجنوب العالمي- الأولوية للاستقلال الاستراتيجي والتعددية. ورغم أن الروابط الاقتصادية والتعاون الأمني والعلاقات بين شعبي الدولتين لا تزال تخدم كدعَائم للعلاقات الثنائية، إلا أن الثقة المتبادلة تآكلت بفعل التفسيرات المتباينة للمسؤولية والنظام الدوليين.
ومن المرجح أن تنبئ مواقف جنوب إفريقيا خلال عام 2026م، بمستقبل العلاقات الأوسع بين البلدين، فبدلاً من الانزلاق نحو المواجهة المباشرة أو إعادة الاصطفاف، يميل مسار العلاقات نحو احتواء التوترات والحيلولة دون تفاقمها. ويتجسد ذلك في استمرار التعاون ضمن ملفات الاهتمام المشترك، والتعايش مع التباينات القائمة، والمقاومة الانتقائية للضغوط. أما على صعيد الجنوب العالمي، فإن هذا النهج يمثل استثماراً لدروس عام 2025م؛ التي أكدت أن الاستقلالية، والتنوع، والبراغماتية المبدئية، هي الركائز الاستراتيجية الأكثر استدامة في عالم تشتد فيه حدة التنافس.
مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية
تُمثل مجموعة "أصدقاء الحوكمة العالمية" ائتلافاً غير رسمي يضم عدداً من الدول تحت مظلة الأمم المتحدة، مكرساً جهوده لتعزيز منظومة الحوكمة الدولية وإصلاحها؛ سعياً لمواكبة المتغيرات العالمية الراهنة وتجسيدها بدقة أكبر. وينشد الائتلاف إرساء دعائم نظام متعدد الأطراف، يكون أكثر شمولاً وتمثيلاً وفاعلية، لا سيما عبر تعزيز حضور الدول النامية وتوسيع نطاق مشاركتها في صناعة القرار الدولي.
وتتجلى الغاية الجوهرية لهذا التكتل في ترسيخ شرعية المؤسسات الدولية ومساءلتها، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، من خلال تحفيز الإصلاحات الكفيلة برفع كفاءة التنسيق، والشفافية، والاستجابة للتحديات الكونية؛ كقضايا السلم والأمن، والتنمية المستدامة، وتغير المناخ، ومعالجة فجوة عدم المساواة العالمية. كما ينبري الائتلاف للدفاع عن مبدأ التعددية في مواجهة النزعات الأحادية، معولاً على التعاون والحوار واحترام القانون الدولي كركائز أساسية لإدارة الشؤون العالمية. وبصورة عامة، تتمحور أهداف المجموعة حول إعادة مواءمة هياكل الحوكمة لتصبح أكثر إنصافاً وديمقراطية، وأشد قدرة على التعاطي مع المشكلات العالمية المعقدة والمتداخلة.
وفي سياق متصل، ترسم التطورات المشهودة في عام 2025 م، ملامح المرحلة الراهنة؛ حيث يُلخص تأسيس "مجموعة لاهاي"، وتوسع تكتل "بريكس+"، ونشوء مجموعة "أصدقاء الحوكمة العالمية"، إلى جانب جهود الوساطة التي تقودها قوى الجنوب العالمي الصاعدة والتوترات القائمة بين الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا، العنوان الرئيسي لمسار الجنوب العالمي حالياً: وهو السعي الدؤوب نحو نفوذ أوسع دون ارتهان لكيان موحد، واكتساب مزيد من الشرعية دون السعي لفرض هيمنة. ومن المرتقب أن تواصل هذه الديناميكيات دورها المحوري في صياغة مساهمة الجنوب العالمي ضمن النظام الدولي الناشئ خلال عام 2026 وما سيليه.
انقضاء عهد المشاركة المحدودة لدول الجنوب العالمي
نخلص إجمالاً إلى أن النهج الذي يسلكه الجنوب العالمي يشي بالتحول نحو تنويع الشراكات الدولية؛ سعياً لتجنب الصدمات الخارجية والتحلل من الاشتراطات السياسية. والأهم من ذلك، أن عهد المشاركة المحدودة قد ولى دون رجعة.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، من المتوقع أن يكون الاستقلال الاستراتيجي المبدأ التوجيهي للمشاركات مع القوى العظمى. فبدلًا من الاصطفاف لمعسكر دون الآخر، ستواصل العديد من بلدان الجنوب العالمي السعي إلى شراكات تقوم على أساس قضايا محددة، واستخلاص المنافع الاقتصادية والتكنولوجية مع الحد من التطرق للشق الجيوسياسي. ويعكس هذا المنهج الدروس المستفادة من عام 2025، التي أثبتت أن الاعتماد المفرط على شريك بعينه غالبًا ما يكون محفوفًا بالمخاطر.
تجدر الإشارة أيضا إلى الجنوب العالمي ليس كيانًا موحدًا أو متجانسًا، فقد تبين على مدار أحداث 2025م، أن هذه البقعة من العالم لديها أولوياتها المشتركة وانقساماتها المستمرة أيضًا. فثمة توافق واسع حول قضايا محددة مثل التمويل الإنمائي، والعدالة المناخية، وإصلاح الحوكمة العالمية. لكن في المقابل، يوجد خلافات حول معايير حقوق الإنسان، والتحالفات الأمنية، والاستجابات للنزاعات الإقليمية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن تقوض هذه التباينات العمل الجماعي ما دام يتم إدارتها واحتوائها عبر ائتلافات تتسم بالمرونة وتنسيق العمل حول قضايا محددة. وتُشير تجربة عام 2025م، إلى أن التعاون البراغماتي، وليس التماهي الفكري أو الأيديولوجي، هو الذي يتيح آفاقا مستقبلية أكثر قابلية للتحقق.
بين طيات عامٍ يغادر وآخر يطلّ، يقف الجنوب العالمي على مفترق طرقٍ محفوفٍ بالمخاطر، لكنه يرتكز في الوقت ذاته على قدرةٍ صلبة على الصمود وإعادة توجيه بوصلة السياسات. لقد برهن العام المنصرم على حدّة التحديات الهيكلية، وفي المقابل تجلّت قدرة هذه الدول على التكيف، والتعاون، وتأكيد استقلاليتها؛ لتغدو الدروس المستقاة من عام 2025م، والمتمثلة في التنويع، والاستقلال الاستراتيجي، والعمل الجماعي، ركيزة أساسية لتجاوز حالة الضبابية التي تكتنف المستقبل.
وفي وقتٍ لا تزال فيه القوى الكبرى غارقة في تجاذباتها، كفَّ الجنوب العالمي عن كونه مجرد صدىً للسياسات الخارجية، ماضيًا في سعيه الحثيث لصياغة معالم النظام الدولي الناشئ. بيد أن تحوّل هذا السعي إلى منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً يظل رهيناً بقدرة دوله على صون وحدتها وتنوعها، وتجسيد تطلعاتها في مؤسسات فاعلة، مع التوفيق بين أجندات تنميتها الوطنية ومسؤولياتها تجاه العالم؛ ومن ثم، لن يكون عام 2026م، مجرد اختبار لصلابة هذه الدول فحسب، بل لامتحان بصيرتها ورؤيتها الاستراتيجية أيضاً.






