array(1) { [0]=> object(stdClass)#14703 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 225

ترامب لن يقبل هزيمة حزبه في انتخابات الكونجرس النصفية حتى لو لجأ للعنف

الأحد، 30 آب/أغسطس 2026

  • في علم السياسة مقولة قد تصل للمسلمة مفادها: أن الديمقراطية والاستبداد، متضادان لا يلتقيان، حتى أن البعض يحصر أنظمة الحكم بين هذين النقيضين: أنظمة حكم ديمقراطية.. وأنظمة حكم مستبدة، مهما كانت درجات التفاوت بين هذين النموذجين، لأنظمة الحكم عملياّ وتاريخياّ. في حقيقة الأمر: ليس هناك قطعية علمية أو تاريخية، تؤيد هذه النظرية، ولا جعل المقارنة بين أنظمة الحكم تقتصر، على هذين النموذجين لأنظمة الحكم. لكن الحقيقة التاريخية تؤكد أن من يمتلك ناصية السلطة، بالقوة المادية الجبرية الباطشة، هو أو هم، من يحدد أو يحددون حركية وقيم النظام السياسي القائم، في عهدٍ من العهود. للتبسيط: ليس كل نظام ملكي، هو نظام مستبد، لا يقيم وزناّ للإرادة العامة للناس.. وليس كل نظام جمهوري، هو نظام ديمقراطي يعتد بتوجه الإرادة، وإن جاء بإرادة الناس، انعكاساّ لإرادتهم الحرة واختيارهم المباشر الصريح. مقدمة كان لابد منها، حتى نتناول قضية الحكم، إرهاصاته ومآلاته، بمنهجية علمية، بعيداّ عن طوباوية الميول القِيَمِيّة للبشر، التي تسودها التعددية، وليس الثبات والنمطية الأحادية.

مهما كانت وجهة النظر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المنهجية العلمية تفرض على الجميع، إنصافًا للحقيقة، عدم تجاهل الإمكانات الشخصية الحصرية لهذا الرجل التاريخي غير العادي. ليس من الضروري توقع أن هذه الإمكانات الشخصية، كلها أو بعضها إيجابية، بل بالعكس، معظمها قد تكون سلبية، تختلط فيها قيم الانحراف في الطبيعة البشرية، بقيم السلوك البشري السوي، بعيداّ عن المثالية السياسية، التي لا تعكس في حقيقة الأمر السلوك السياسي، الذي تطغى عليه، واقعياّ، قيم الصراع (العنيف) على السلطة. ما يميز الرئيس ترامب، حقيقةّ عن بقية رؤساء الولايات المتحدة الأربع والأربعون، فهو: الخامس والأربعون من بين سبعٍ وأربعون فترة رئاسية، هو عداؤه للنظام السياسي الأمريكي، وشرعيته في تحديد مصير السلطة في الولايات المتحدة.  قد لا تكون مصادفةّ الفترة الرئاسية الثانية للرئيس ترامب توافق الذكرى الـ ٢٥٠ لإنشاء الولايات المتحدة، وهي في قمة عنفوانها التاريخي، غير المسبوق، في تاريخ الأمم والحضارات، وليس لديها ما تفتخر به، أكثر من افتخارها بنظامها السياسي، ودستورها العتيد.

الرئيس ترامب لم يأتِ من رحم النظام السياسي الأمريكي. هو لا يُعيد الفضل لمجيئه لأعلى سلطة سياسية في البلاد، بل في العالم، لطرفٍ آخر، كما كان من قبله من الرؤساء الأمريكيين يدينون بالفضل لمجيئهم للبيت الأبيض، للديمقراطية الأمريكية، وقيم الدستور الأمريكي، والتجربة الفذة المستقرة للنظام السياسي الأمريكي. هو كما يحلو للبعض يفسرون سلوكه هذا لنرجسية تتملك شخصيته الغامضة المثيرة للجدل، وتنعكس على سلوكه وخطابه ولغة الجسد الخاصة به. الرئيس ترامب يعيد الفضل لنجاحه الباهر، بوصوله للبيت الأبيض (مرتين)، سوى نفسه هو، لا أحد غيره، وهذا إلى حدٍ بعيد صحيح. لهذا من البداية، وحتى قبل أن يدخل البيت الأبيض، كان الرئيس ترامب مناصباّ العداء للنظام السياسي الأمريكي، قيماّ وحركة، وليس لخصومه السياسيين، سواء كانوا من الحزب الجمهوري أو الحزب الديمقراطي أو الصحافة وأصحاب رؤوس الأموال في وول ستريت.  

من اليوم الأول لولايته الأولى (٢٠١٦-٢٠٢٠م) ترامب، لم يخفِ مناصبة العداء للنظام السياسي الأمريكي، حركةّ وقيماّ. بل قبل ذلك عند ترشحه للمنصب، عن الحزب الجمهوري وأثناء حملته الانتخابية لترشيح الحزب الجمهوري له خوض الانتخابات الرئاسية، وقبل يوم الانتخابات، أعلن: إذا لم يفز بالمنصب، فإنه لن يعترف بنتيجة الانتخابات إذا جاءت بمنافسته في تلك الانتخابات الديمقراطية السيدة هيلاري كلنتون! سلوك لم يسبقه له أي رئيس أمريكي، وكأنه يعلن للملا أن شرعيته كرئيس للولايات المتحدة، تنبع من شخصيته هو، وليس انعكاساّ لإرادة الشعب الأمريكي، ولا للنظام السياسي، حركةّ وقيماّ ولا للدستور الأمريكي. موقف غير مسبوق، ربما لم يلتفت إليه أحد، من قبل.  

مرت الأزمة المتوقعة بسلام، وفاز هو بتلك الانتخابات. لم يتخلَ الرئيس ترامب عن موقفه هذا من آلية اختيار الرئيس الأمريكي في انتخابات ٢٠٢٠م، التي لم ينجح فيها، وظل متمسكاّ بزعم أن تلك الانتخابات مزورة.. وأن المنصب سُرق منه، بل حاول جاهداّ بالعنف الحؤول دون وصول الرئيس جو بايدن (الديمقراطي) المنتخب، بالقوة عندما اقتحم أنصاره الكونجرس في السادس من يناير ٢٠٢١م، حين كان مجلس الشيوخ منعقدا للتصديق على نتيجة انتخابات نوفمبر ٢٠٢٠م، تمهيداّ لتقلد الرئيس الديمقراطي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة. حتى أنه أوعز لنائبه مايك بنس، بوصفه رئيساّ لمجلس الشيوخ أن يعلن تزوير الانتخابات ويعلن أن من فاز بها رئيسه وليس جو بايدن، مهدداّ حياة نائبه للخطر، في تلك الأثناء، حيث بالفعل أثناء تلك الأحداث كان يحرض أنصاره على قتل نائبه، إن هم وجدوه!؟

ظل الرئيس ترامب متمسكاّ بموقفه هذا، بالرغم من خسارته لـ ٦٠ قضية قانونية، بمختلف درجات القضاء، أجمعت على رفض مزاعمه بتزوير تلك الانتخابات، وادعاء سرقة الديمقراطيين لها.  طوال فترة حكم الرئيس بايدن لأربعة سنوات لم يعترف بنتيجة تلك الانتخابات، بل أنه يردد هذه الأيام، أنه يتطلع لفترة رئاسة ثالثة، بحجة تعويضه عن انتخابات ٢٠٢٠م، التي يزعم أنها سُرقت منه!؟

خلال الأربع سنوات من حكم الديمقراطيين، عمل وهو خارج السلطة زعيماّ غير متوجٍ للحزب الجمهوري، لتهيئة المسرح لانتخابات ٢٠٢٤م، الرئاسية، تمهيداّ لرجوعه رئيسا للولايات المتحدة، يحكم من خلال كونجرس يتمتع فيه الجمهوريون بأغلبية مريحة، وقد كان. في الأثناء تخلص من سياسيين جمهوريين، لم يشاركوه زعمه بتزوير ٢٠٢٠م، مثل النائبة الجمهورية ليز تشيني، التي بالفعل خسرت انتخابات الكونجرس في الانتخابات النصفية، في عهد الرئيس جو بايدن، واستبدالهم بنواب وشيوخ يشاركونه فرية تزوير انتخابات ٢٠٢٠م. فترة حكم الديمقراطيين لم يترك الديمقراطيون من حيلة سياسية ممكنة، إلا ولعبوها، حتى يُحرم الرئيس ترامب من حقوقه الدستورية، كي لا يخوض انتخابات ٢٠٢٤م، وفشلوا في مسعاهم هذا، أيما فشل!

لقد طورد الرئيس ترامب قضائياّ حتى أنه أدين في ٣٤ قضية جنائية، بواسطة محلفين، إلا أنه بموجب الدستور لا تمنع هذه الإدانة في جرائم جنائية، حتى لو دخل السجن بموجبها، فهذه الأحكام القضائية، لم تكن لتحول بينه والترشح لمنصب الرئاسة في انتخابات ٢٠٢٤م. لا تمنع هذه الإدانات الرئيس ترامب من ترشحه لمنصب الرئاسة. الجريمة الدستورية الوحيدة، التي قد تتسبب في حرمانه من حقوقه السياسية، هي جريمة محاولة التمرد وقلب نظام الحكم، التي نجح محامو الرئيس ترامب تأجيل نظرها في المحاكم، حتى جاء موعد انتخابات الرئاسة نوفمبر ٢٠٢٤م، وفاز فيها الرئيس ترامب ليتمتع من جديد بالحصانة الرئاسية، حيث لا يمكن دستورياّ محاكمة الرئيس وهو في سدة الحكم.

هل أفرغت جعبة الساحر هنا من الحيل. لا بالطبع. الرئيس دونالد ترامب لم يحقق، بعد، أغلى أمانيه في التمسك، بأي ثمن بسكنى البيت الأبيض، للأبد، ما مكنه ذلك. الرئيس ترامب وحتى نهاية فترته الأولى من ولايته الثانية (الحالية)، يعمل بجهد لا يكل ولا يمل من أجل الإبقاء على الأغلبية في الكونجرس، خلال الفترة القادمة، من ولايته الحالية (الثانية). لا أحد يعرف ما الذي يدبره الرئيس ترامب لإدارة انتخابات الكونجرس النصفية، نوفمبر القادم. المؤكد أن الرئيس ترامب لن يقبل بهزيمة حزبه الجمهوري في انتخابات الكونجرس (النصفية) نوفمبر القادم، حتى لو تطلب الأمر اللجوء للعنف كما حدث في السادس من يناير ٢٠٢١م، لأن الأمر هذه المرة لن يُضار به مستقبله السياسي، بل ربما حياته وحريته. الديمقراطيون لو فازوا بأغلبية مقاعد الكونجرس بغرفتيه (النواب والشيوخ)، في قمة أولويات أجندتهم السياسية الإطاحة بالرئيس ترامب، حتى قبل أن ينهي فترته الرئاسية الحالية.   

الرئيس ترامب، ربما هو الرئيس الوحيد، الذي فهم القوة الكامنة (الطاغية) لمؤسسة الرئاسة، تتجاوز ما قد يحلم به أي طاغية في أنظمة الحكم الاستبدادية (التقليدية). من عيوب الديمقراطية، استبداد ما يسمى الأغلبية وحكم القانون، وسطوة المؤسسات. هتلر جاء للحكم عن طريق الديمقراطية، وما أن تمكن من السلطة، تنكر للديمقراطية، أحرق البوندستاغ (البرلمان) وسوى مبناه بالأرض، ولم تقم للسلطة التشريعية قائمة في عهد هتلر حتى هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. ترامب، من ناحية أخرى، فطن، لحقيقة، لم يفطن لها عتاة الطغاة، حتى هتلر: أنه بالإمكان الحكم بقوة القانون ومن خلال المؤسسات، بما لم يتفرد به طاغية، من خلال الحكم خارج القانون، في غياب للمؤسسات.

الرئيس دونالد ترامب من أذكى الرؤساء الأمريكيين، إن لم يكن أذكاهم، فهماّ للدستور واستيعاباّ لدور المؤسسات. كتبة الدستور الأمريكي الآباء الأوائل أنشأوا جمهورية، وفاتهم تصور احتمالية أن يحكمها طاغية، بقوة القانون، بعيداّ عن المؤسسات.

من أعتى أنظمة الحكم تلك التي تحكم بقوة القانون، من خلال مؤسسات ديمقراطية منتخبة، يُظن أن بينها ميزان حساس للقوة، يحول دون تفوق أو طغيان إحداها على الأخريات، وفق آلية رقابة متبادلة صارمة، تضمن حصانة سياسية لكل سلطة في إطار نظام سياسي متكامل، تحرياّ لاستقرار سياسي مستدام. الحكم بالقانون في أنظمة ديمقراطية من خلال مؤسسات منتخبة، يعد من أعتى أنظمة الحكم قاطبة، متى اختار رموز السلطة، بالذات في السلطة التنفيذية، الانحراف عن الديمقراطية، للاستبداد، والحكم باستبداد الأغلبية وقوة القانون وهشاشة وهامشية المؤسسات، عن الحكم المطلق للمستبد خارج القانون والدستور والمؤسسات الديمقراطية المنتخبة. في النهاية، ليس هناك خطٌ فاصلٌ بين الديمقراطية والاستبداد، ليكن هناك فقط نموذجين للحكم… دعك من الزعم: أن هناك فقط نموذجان للحكم، لا ثالث لهما (ديمقراطي أو استبدادي). ويبقى الصراع (العنيف) على السلطة هو من يحدد مصير الاستحواذ عليها والبقاء فيها، وليست أية آلية سواء كانت خشنة أو ناعمة، لأنه من يمتلك مقاليد الحكم بين يديه ويتمتع بالقوة والإرادة لخوض معمعة الصراع عليها، هو من يفوز في آخر خط السباق، بقصب السبق.. ويبقى في السلطة ما شاء له أن يبقى فيها، إلى أن يأتي من ينافسه عليها لتبدأ جولة جديدة من الصراع الأبدي

مقالات لنفس الكاتب