array(1) { [0]=> object(stdClass)#14752 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 226

حماية الأجواء والمنشآت خط الدفاع الأول لمنع فرض أمر واقع بالقوة ويحقق استقرار الأردن والخليج

الثلاثاء، 29 أيلول/سبتمبر 2026

يجد الأردن نفسه في موقع جغرافي وجيوسياسي مرتفع الحساسية وسط الحرب المستمرة والمتصاعدة مع إيران، والتي فرضت على المملكة منذ اندلاعها تحديات متتالية ومتغيرة، امتدت من التهديدات العسكرية والأمنية المباشرة إلى التهديدات الحدودية والسيبرانية والنفسية والإعلامية، وصولاً إلى التداعيات الاقتصادية واللوجستية المرتبطة باضطرابات أسواق الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد. وفي الواقع؛ تحولت الحرب التي بدأت شرارتها منذ السابع من أكتوبر 2023م، من حرب جبهات ينخرط فيها وكلاء إيران أو أطراف "وحدة الساحات" بشكل مُتزامن ومنسق ضد إسرائيل؛ إلى حرب مُباشرة بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025م، ثُم حرب أمريكية-إسرائيلية مشتركة ضد إيران في فبراير 2026م، قبل أن تنفرد كُل من الولايات المتحدة وإيران بالتصعيد المتقطع منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أبريل 2026م. وفي كُل مرحلة من مراحل الحرب منذ 7 أكتوبر تعامل الأردن مع مستويات متعددة الطبقات من التهديدات والتحديات، وفي هذه المرحلة لم يعد ينظر للحرب وتداعياتها باعتبارها تدور بصورة رئيسية في ساحات مُجاورة، بل أصبحنا نتعامل معها بوصفها بيئة إقليمية شديدة التعقيد والتهديد؛ تفرض طيفاً واسعاً من السيناريوهات الأمنية والسياسية والعسكرية.

الأردن: وتطور طبيعة التهديد منذ 7 أكتوبر

فرضت الحرب على الأردن منذ يومها الأول في السابع من أكتوبر 2023م، تحديات مختلفة لم تقتصر خلال المرحلة الأولى على انعكاسات الحرب في قطاع غزة، وإنما اتسعت لتشمل البيئة الحدودية والأمنية المحيطة بالمملكة، سواء من خلال نشاط شبكات التهريب، أو تحركات الميلشيات المسلحة، أو الحملات الإعلامية والنفسية التي استهدفت التأثير في الجبهة الداخلية.

فقد واجهت البلاد ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات تهريب السلاح من الأراضي السورية -أثناء نظام الأسد- والعراقية، وتنوعت الأسلحة التي ضبطها الجيش الأردني بين أسلحة أوتوماتيكية وقذائف وألغام ومواد متفجرة شديدة الخطورة إضافة إلى صواريخ وطائرات مسيرة. وفي حين أن إيران ووكلائها غالباً ما زعموا أن الوجهة النهائية لهذه الأسلحة هي الضفة الغربية، إلا أن السلطات الأردنية أكدت أن بعض هذه الأسلحة وشبكات "خلايا الفوضى" كانت تستهدف بشكل مباشر العبث بالأمن الداخلي للأردن وزعزعة استقراره.

واجه الأردن حملات إعلامية تضليلية منظمة، قادتها إيران والفصائل والقوى ضمن محورها، للتشكيك في موقف الأردن ودوره الإنساني الداعم لأهالي قطاع غزة وتحرض ضد نشاطه الدبلوماسي الهادف إلى وقف الحرب. وفي كثير من الأحيان تحولت هذه الهجمات إلى تحديات أمنية فعلية، تجسد في تأثيرها على وتيرة الاحتجاجات المتعاطفة مع قطاع غزة وحدتها، فقد اتخذت الحكومة تدابير أمنية استثنائية في محيط السفارة الإسرائيلية وفي الطرق المؤدية إلى الحدود الغربية، إذ باتت تشكل نقاطاً حرجة توجهت الدعوات للتظاهر نحوها بالرغم من الحظر الرسمي بذلك؛ حيث تؤكد السلطات الأردنية على التمييز بين التضامن الشعبي المشروع مع قطاع غزة وبين محاولات بعض الأطراف إثارة الشغب أو الاحتكاك بالأمن، لا سيما وأن المنطقة شهدت حوادث أمنية، ففي نوفمبر 2024 م، تعامل الأمن الأردني مع اعتداء مسلح أدى إلى مقتل المهاجم وإصابة رجال أمن في محيط السفارة الإسرائيلية.

علاوة على ذلك؛ تعامل الأردن مع ضغوط  حدودية من قبل الميليشيات المسلحة العراقية، فقد شهد معبر طريبيل الحدودي مع العراق تحشيد ممنهج من الفواعل ما دون الدولة موالية لإيران استمر لمدة 3 أسابيع منذ 20 أكتوبر 2023م، بذريعة الوصول إلى الحدود الأردنية-الفلسطينية، ودعم قطاع غزة، رغماً أنه كانت لديهم القدرة للدخول إلى إسرائيل عبر الحدود السورية واللبنانية ولكنهم اختاروا الحدود الأردنية كورقة ضغط؛ في المقابل تعاملت القوات المسلحة الأردنية بكل احترافية حيث تم نشر 8 كتائب بأوامر واضحة للاشتباك على كل من يحاول أن يتعدى على السيادة الأردنية. وفي أحيان عدة أقدمت تلك الفصائل على منع صهاريج الوقود والشاحنات التجارية من العبور باتجاه الأردن؛ إلى أن تم حل الموضوع بشكل دبلوماسي. 

التهديدات العسكرية وانتهاك المجال الجوي الأردني

منذ بداية الحرب تعاملت القوات المسلحة الأردنية مع محاولات اختراق المجال الجوي الأردني بواسطة الصواريخ والمسيرات المتجهة حينذاك من جبهات الإسناد عبر أجوائها إلى إسرائيل، فقد تعامل الدفاع الجوي خلال السنوات الماضية مع صواريخ ومسيرات وأجسام طائرة غير محددة مصدرها جهات متعددة مرتبطة بإيران في سوريا والعراق واليمن، وفي حالات محددة سقطت تلك المقذوفات والصواريخ داخل الأراضي الأردنية نتيجة خلل تقني أو جراء التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي GPS. وفي 14 أبريل ومطلع أكتوبر عام 2025م، اخترقت مئات المسيرات والصواريخ الباليستية المجال الأردني، حيث انطلقت من إيران نحو إسرائيل، وكان أمام البلاد التصدي واعتراض العشرات منها في إطار موقف الدولة الواضح في رفض انتهاك سيادة أجوائه أو تحويلها إلى ساحة حرب وتصفية لحسابات إقليمية، ولحماية المواطنين والممتلكات.

لكن التحول الأبرز، جاء مع اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، حيث لم تعد الجغرافيا الأردنية ساحة عبور للصواريخ والمسيرات من إيران ووكلائها، بل واجهت البلاد حالة متقدمة من الحرب الهجينة؛ حيث  كانت الأهداف الأردنية العسكرية مُدرجة على بنك الأهداف الإيراني، إذ تشير التقديرات المبنية على البيانات الرسمية المعتمدة إلى أن القوات المسلحة الأردنية، وتحديداً سلاح الجو الملكي ومنظومات الدفاع الجوي، قد تعاملت وأحبطت ما يزيد إجمالاً عن 150 إلى 180 هجوماً عسكرياً، ما بين صواريخ باليستية وطائرات مسيرة حاولت اختراق المجال الجوي للمملكة أو استهداف منشآتها ومناطقها منذ اندلاع الحرب في فبراير وحتى سبتمبر 2026م.

وبذلك، تحول المجال الجوي الأردني من كونه مساحة جغرافية تقع بين مسارح العمليات الإقليمية إلى جزء من البيئة العملياتية للحرب، الأمر الذي فرض على القوات المسلحة الأردنية رفع مستوى الجاهزية والتعامل مع تهديدات جوية متعددة الاتجاهات، في الوقت الذي سعت فيه المملكة إلى منع تحول أراضيها إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الأطراف المتحاربة.

التهديدات المركبة والحرب الهجينة

في الوقت الذي سلط فيه الإعلام الضوء على الهجمات المباشرة التي تستهدف القواعد العسكرية، فإن الاعتداءات الإيرانية شملت طيفاً واسعاً ومتكاملاً من التهديدات السيبرانية والنفسية والعسكرية والإعلامية، في حُزمة سعت من خلالها إيران للإضرار بالمصالح الحيوية والمنشآت المدنية والاستراتيجية والاستقرار الراسخ في البلاد.

على سبيل المثال، بعد مرور ساعات من اندلاع الحرب، أحبطت السلطات في 2 مارس 2026م، محاولة إيرانية لاختراق سيبراني استهدفت نظام إدارة صوامع القمح التابع للشركة العامة الأردنية للصوامع والتموين، حيث سعى الهجوم إلى التلاعب بدرجات حرارة حفظ القمح بهدف إلحاق الضرر بالمخزون الاستراتيجي للبلاد. ويكشف هذا النمط من التهديدات عن اتساع بنك الأهداف المرتبط بالحرب، فلم تعد المنشآت العسكرية وحدها ضمن نطاق الاستهداف، وإنما امتد التهديد إلى البنية التحتية والمنشآت المدنية ذات الطابع الاستراتيجي، بما في ذلك تلك المرتبطة بالأمن الغذائي والخدمات الحيوية.

بالتوازي مع ذلك، استمرت الحرب النفسية والإعلامية المُوجهة لتقويض ثقة المواطن الأردني بجبهته الداخلية ومؤسساته الوطنية. ويتجلى ذلك بوضوح في محاولات التضليل الممنهج، مثل ما ورد في "البيان رقم (31)" الصادر عن الحرس الثوري الإيراني في يوليو 2026م، والذي زعم تلقيه معلومات من "مواطنين أردنيين" ساعدت في استهداف مواقع وقواعد تضم قوات أمريكية. وهي المُحاولة التي أحبطها رد الشعب الأردني الرافض بشكل مُطلق للمساس بثقته بالدولة ومؤسساتها وتحالفاتها. ولم تقتصر هذه الحملات على نشر المعلومات المضللة، وإنما سعت كذلك إلى التشكيك في الموقف الأردني من الحرب، وإظهار المملكة باعتبارها طرفاً في الصراع، فقد زعم الحرس الثوري أن القواعد الجوية الأردنية تستخدم لإقلاع المقاتلات والطائرات المسيرة الأمريكية التي تقصف أهدافاً في إيران، وهو ما تنفيه السلطات الأردنية بشكل قاطع وتنظر له باعتباره محاولة إيرانية لإقحام الدول العربية في الحرب وتوسيع نطاق المواجهة. كما أن الأرقام والحقائق تثبت ذلك فكيف تقلع الطائرات الأمريكية مسافة أكثر 2500 كلم من الأردن لضرب هدف إيراني بينا تستطيع أي طائرة أمريكية أن تقلع من حاملة الطائرات الموجودة في البحر لمسافة لا تزيد عن 270 كلم أفقي.

التداعيات الاقتصادية واللوجستية

لم تقتصر تداعيات الحرب على الجانبين الأمني والعسكري فحسب، بل امتدت لتلقي بظلالها على الاقتصاد الأردني الذي تأثر بصورة مباشرة. وقد كان القطاع السياحي من أوائل القطاعات التي تضررت بشكل فوري نتيجة الحرب، وهو قطاع رئيسي يُسهم بنحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2023م. ففي الربع الأخير من 2023م، سجل القطاع تراجعاً حاداً في عوائده بلغت 47.5%، واستمر هذا الضغط بانخفاض أعداد السياح بنسبة تصل إلى 7.9% في النصف الأول من عام 2024م، وعلى الصعيد اللوجستي والتجاري، فقد أدت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر والتوترات الملاحية منذ نوفمبر 2023م، إلى حالة إرباك حاد في حركة الشحن البحري، ما ترتب عنه تداعيات على نشاط ميناء العقبة، المنفذ البحري الوحيد للأردن، والذي تمر عبره قرابة 65-85% من احتياجات البلاد الغذائية. حيث اضطرت الشركات لتحويل المسارات نحو رأس الرجاء الصالح، ما أضاف 16 يوماً إضافياً على رحلات الشحن، وضاعف تكلفة النقل للحاوية الواحدة من نحو 3 إلى 6 الألاف دولار وأكثر، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع في أسعار خدمات قطاعات رئيسية مثل النقل والسلع الغذائية المستوردة.

ومع اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران ظهرت حزمة جديدة من التحديات الاقتصادية الطارئة، حيث انتقلت التداعيات الاقتصادية للحرب من التأثر باضطرابات البحر الأحمر إلى التأثر باضطرابات أوسع مرتبطة بأمن الطاقة والملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، وهو ما أضاف طبقة جديدة من الضغوط على الاقتصاد الأردني، في ظل اعتماده على استيراد جزء كبير من احتياجاته من الطاقة وتأثره بارتفاع تكاليف النقل والتأمين والواردات؛ حيث ارتفعت أسعار المشتقات البترولية خلال  شهر مايو 2026م، ثم تم تثبيت الأسعار حتى سبتمبر 2026م، وبلغت قيمة الدعم الذي تحملته الحكومة منذ بداية الأزمة وحتى نهاية يوليو نحو 212 مليون دينار أردني.

وتطلبت طبيعة التهديدات المركبة بين حماية الأجواء وتأمين الحدود الشرقية والشمالية ورفع الجاهزية الدفاعية والأمنية، والجاهزية اللوجستية في ظل التوترات الجارية، إلى زيادة النفقات الاستثنائية والطارئة، ووفقاً لمؤشرات وزارة المالية في موازنة عام 2026م، ارتفعت النفقات الجارية إلى نحو 11.4 مليار دينار، بزيادة نسبتها 5.1%، ومن المفترض أن يُعزى جزء من هذه الزيادة لتغطية النفقات المرتبطة بتداعيات الحرب والتوترات الجيوسياسية القائمة.

الامتداد الإقليمي والخليجي للتهديد

مثل السلوك الإيراني العسكري والتهديد الذي فرضته على أمن الملاحة في مضيق هرمز استراتيجية واحدة مترابطة استهدفت فضاءً إقليمياً واسعاً، فالتهديدات والتداعيات الناتجة عن سلوكها لم تقتصر على ميدان جغرافي واحد، بل واجهت الأردن ودول الخليج على حد سواء، وإن كان ذلك ضمن مستويات متباينة؛ تمثلت جزء كبير منها في التداعيات الاقتصادية التي تم الإشارة لها سابقاً.

أما بخصوص الاعتداءات العسكرية الإيرانية المباشرة؛ واجهت دول الخليج على غرار الأردن هجمات إيرانية مُباشرة، فقد أعلنت دوله؛ قطر والبحرين والكويت والسعودية والإمارات وسلطنة عُمان، عن تصديها لهجمات إيرانية مباشرة ومتكررة بالصواريخ والمسيرات، وشملت هجماتها البنية التحتية الحيوية التي يمكن أن تؤثر في الطاقة والنقل والمياه والاقتصاد والتي أصبحت هدفاً لإيران ووكلائها أثناء الحرب، وعلى وجه التحديد تشير البيانات إلى أن النفط والغاز ومحطات الكهرباء وتحلية المياه شكلت نحو 48% من الضربات على الأهداف غير العسكرية. وقد فرض ذلك ضغوطاً اقتصادية إذ سجلت قطر عجزاً خلال الربع الأول من عام 2026م، قدره 2.8 مليار دولار، ما انعكس على مجالات عدة من بينها الإنفاق الحكومي حيث قررت تخفيض ميزانيات عدد من إداراتها الحكومية بنسبة تصل إلى 30%، وقلصت تمويل المساعدات الخارجية بنحو 85%، فيما أعلنت السعودية تسجيل عجزاً قدره 33.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها، وهو أعلى عجز فصلي مسجل من عام 2018م، وتتوقع الكويت تسجيل عجز في موازنة 2026-2027م، قدره 31.9 مليار دولار.

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة لاعتداءات وهجمات الفواعل ما دون الدولة أو -الوكلاء-؛ حيث وجهت هذه الفواعل هجمات نحو الأردن ودول الخليج، حوالي 30 هجوماً بمسيرات وقعت خلال 72 ساعة فقط من أواخر يوليو، وكشفت رويترز أن 7 هجمات على الأقل بين 20 أبريل و17 مايو نفذتها خلايا تابعة للحرس الثوري داخل العراق ضد الكويت والسعودية والإمارات، بينها هجمات على قاعدة علي السالم في الكويت ومنشأة براكة النووية في الإمارات. وفي أغسطس، أُعلن عن هجمات حوثية بالصواريخ والمسيّرات على أهداف في جنوب السعودية، وفي 4 مارس 2026 م، ادعت ميليشيا "أولياء الدم" تنفيذ هجوم بطائرة مسيرة في الأردن، وفي 6 مارس ادعت مجدداً استهداف "هدف حيوي" في الأردن. وفي 23 يوليو تبنت تلك الميليشيا هجمات في كل من الأردن والكويت والسعودية. وفقاً لمصادر أمريكية وخليجية.

كما عملت هذه الفواعل على تنفيذ هجمات ما يعرف بـ “الحرب النفسية والإعلامية ضد الأردن ودول الخليج" من خلال شن حملات تضليل واسعة ضد دول الخليج للتشكيك في كفاءة منظومات الدفاع الجوي، والتشكيك في العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الخليج العربي بالولايات المتحدة.

إذ نجد أن طهران تُصر في رسائلها التحذيرية على التأكيد بأن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج لا توفر الأمان، بل تجعل الدول المستضيفة لها أهدافاً مباشرة لأي رد فعل انتقامي إيراني؛ وتسعى هذه الرسائل إلى تحقيق هدف مزدوج، يتمثل من جهة في الضغط على دول الخليج لإعادة حساباتها بشأن علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى في محاولة إظهار الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة باعتباره سبباً إضافياً لتعرض الدول الخليجية للاستهداف.

تهديد إقليمي واحد ومستويات متعددة للردع

قد يختلف مستوى التحدي بين الأردن ودول الخليج وفق طبيعة موقع كل طرف داخل البيئة الإقليمية؛ فالأردن يتأثر بصورة أكبر باعتباره دولة تقع بين عدة مسارح عمليات إقليمية، وممراً محتملاً للصواريخ والمسيّرات، ودولة مستوردة للطاقة تعتمد على استقرار طرق التجارة والإمداد، بينما تواجه دول الخليج تحديات أكثر مباشرة بسبب تمركز منشآت الطاقة والموانئ والمصالح الاقتصادية الحيوية على مقربة من مصادر الهجوم الإيرانية. وفي مُواجهة تداعيات الحرب، انخرطت كل من الأردن ودول الخليج في مستويات استجابة عاجلة لاحتواء التهديدات والتعامل مع التحديات.

إذ ركزت الجهود الأردنية على تعزيز كفاءة منظومات الدفاع الجوي لصد أي اختراقات لأجوائها، ورفع المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية والمحروقات بناءً على توجيهات ملكية صدرت في 4 أغسطس 2026م، بالتوازي مع اتخاذ دول الخليج إجراءات مشددة لتأمين حيوية منشآت الطاقة، وتشديد التدابير البحرية لحماية السفن والناقلات في مياه الخليج ومضيق هرمز، وقد اتفقت دول الخليج في القمة الخليجية التشاورية الاستثنائية بجدة في أبريل 2026م، على تعزيز سلاسل الإمداد واللوجستيات البديلة، عبر التوسع في دراسة وتطوير قدرات تخزين النفط والغاز خارج مضيق هرمز، واستخدام الموانئ المطلة على بحار مفتوحة والاعتماد على خطوط الأنابيب العابرة للمناطق كبدائل لوجستية مرنة.

أما سياساً؛ فقد تقاطعت المُقاربة السياسية لكل من الأردن ودول الخليج حول أهمية تبني سياسة وقائية تقوم على النأي بالنفس وعدم الانجرار إلى الصراع القائم، وفق ما تمليه الرغبة والمحاولات الإيرانية لتوسيع الحرب؛ فقد نشطت عدد من الدول الخليجية وخاصة السعودية والإمارات في الانخراط في المسارات الدبلوماسية والسياسية الهادفة لخفض التصعيد، وتؤيد بقية دول المنطقة هذا المسار باعتباره الوحيد القادر على إنهاء الحرب ووقف تداعياتها، مع ذلك اتبع الأردن ودول الخليج مساراً مُوازياً يهدف إلى تحقيق الردع ضد الاعتداءات المستمرة، فقد اتخذت الإمارات في 18 أغسطس 2026م، قراراً بتعليق جميع المعاملات المالية والاقتصادية والتجارية مع إيران حتى إشعار آخر. وقد اتخذت السعودية خطوة ردع ضد وكلاء إيران فقد نفذ الجيش السعودي في 29 يوليو 2026م، ضربات جوية مشتركة بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) استهدفت مواقع تابعة للميليشيات العراقية المدعومة من إيران في العراق، رداً على هجمات استهدفت منشآت نفطية في الرياض والمنطقة الشرقية، فيما وجه الأردن إنذاراً إلى العراق بأنه سيرد عسكرياً بشكل مباشر عن أي اعتداء للميليشيات العراقية على أراضيه.

التقاء الاستجابات في مسار واحد

تُثبت المعطيات السابقة أن أمن الأردن ودول الخليج يمثلان فضاءً استراتيجياً واحداً غير قابل للتجزئة، حيث التداعيات الاقتصادية واضطرابات سلاسل الإمداد ومحاولات الاختراق الأمني المتتالية، أكدت أن العمل المنفرد تعطي نتائج أقل في مواجهة طيف من التهديدات المتنوعة، ما يفرض توحيداً لطبيعة الاستجابة للأزمة وإدارتها عبر شراكة مؤسسية دقيقة تحمي المصالح المشتركة للجانبين في وجه التهديدات الإيرانية والمتغيرات الإقليمية.

على المدى القريب والعاجل، فإن توحيد نطاق الردع بين الأردن ودول الخليج، يمنحه بعداً إقليمياً وقوة تنفيذية، من خلال حُزم ومصفوفة ردع واحدة ومتفق عليها ومحددة، تمثل أساساً قوياً لتوقع إيران ووكلائها نتائج اعتداءاتهم، وصياغة صيغة ردع مُشترك وفعال بين دول تواجه نفس مصادر وأشكال التهديد؛ فنحن أمام مسألة لا غنى عنها لاحتواء تلك التهديدات، إلى جانب أهمية تعزيز التكامل في منظومات الدفاع للتصدي للتهديدات الناشئة. وفي 14 أغسطس 2026 أعلنت (CENTCOM) عن تشكيل قوة عسكرية مهام دولية متعددة الجنسيات والمجالات تحت مسمى قوة المهام "فالكون سترايك" (FalconStrike) لمواجهة تهديدات الطائرات المسيرة الهجومية الانتحارية في منطقة الشرق الأوسط.

كما أن مراقبة تعاظم التفاعل الاستخباري وتفعيل التنسيق الفوري لتبادل بنك الأهداف ومعلومات الإنذار المبكر ضد تحركات إيران ووكلاءها أثبت فعالية واضحة في الحد من تأثير الهجمات الإيرانية التي باتت محدودة أصلاً؛ إذ أن حماية الأجواء والمنشآت الحيوية في هذه المرحلة تشكل خط الدفاع الأول الذي يمنع فرض أي معادلات فرض أمر واقع بالقوة، ويؤمن الغطاء اللازم لاستقرار الجبهة الداخلية في الأردن ودول الخليج.

على المدى المتوسط والبعيد، نحن اليوم أمام ضرورة مُلحة لتأمين استمرارية سلاسل الإمداد وتجاوز مناطق الاختناق الاستراتيجية وفي مقدمتها مضيق هرمز، من خلال تسريع مشاريع الربط اللوجستي البرية والبحرية بين الأردن ودول الخليج وصولاً إلى موانئ البحر المتوسط، وهو ما يتطلب البناء على اتفاقيات ومشاريع تعاون قائمة بالأساس، من بينها اتفاق تنفيذ سكة حديد العقبة باستثمار يبلغ 2.3 مليار دولار، ومشروع "الجسر العربي" الذي يربط الموانئ الخليجية عبر الأراضي السعودية والأردنية، بالموانئ الفلسطينية والمصرية على البحر المتوسط، ومشروع شبكة سكة الحديد الخليجية الممتدة لأكثر من 2.2 ألف كيلو متر، والذي يخفض تكاليف الشحن بنسبة تصل إلى 30%. إضافة إلى مشاريع الربط الكهربائي وشبكات أنابيب النفط والغاز الإقليمية المعتمدة التي تلتف حول مناطق التوتر ونقاط الاختناق.

إن تفعيل هذه المسارات البديلة لا يقتصر على البعد الاقتصادي وتخفيف كلف الشحن والتأمين فحسب، بل يمثل ركيزة أمنية عالية القيمة تمنح الدول تنويعاً في خياراتها الاستراتيجية، وتمنع استخدام ورقة إغلاق نقاط الاختناق كأداة ضغط سياسي أو عسكري؛ الأمر الذي يستدعي تحويل الاتفاقات الثنائية والمشتركة القائمة بين الأردن ودول الخليج بشأن النقل البري وتسهيل حركة التجارة البينية إلى منظومة تشغيلية موحدة تعمل بكامل طاقتها الاستيعابية خاصة في أوقات الأزمات.

وأخيراً؛ أظهرت الوقائع أن استقرار الجبهة الداخلية الأردنية وصلابة وحدتها الوطنية قد وقفا كحاجز صد ودفاع أول ضد تداعيات التهديدات الإيرانية ومحاولات الاختراق الأمني والإعلامي، وهذا ما يؤكد أن استقرار الأردن هو امتداد حيوي لأمن الخليج؛ وحيث أن المنطقة بأسرها، وسط حالة الاستقطاب وعدم اليقين الحاد، فقد أصبحنا بحاجة تعاون وتكامل أوسع وأعمق بين دول الخليج والأردن، لمواجهة التحديات الراهنة وحماية المصالح المشتركة من أي متغيرات إقليمية مقبلة.

مقالات لنفس الكاتب