array(1) { [0]=> object(stdClass)#14752 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 226

يحتاج لبنان لاستعادة حقه ليكون صانعًا لمصيره لا ساحةً للصراعات والمعضلة في امتلاك الإرادة

الثلاثاء، 29 أيلول/سبتمبر 2026

في إقليمٍ لم تَعُد فيه الحروب تَعرف حدوداً، باتَ أمن لبنان مرآةً لاضطراب المنطقة وموازين قواها المتحركة. فالصراعات الإقليمية، وتمدد الميليشيات المسلحة، تجعل من هشاشة الداخل منفذاً لرياح الخارج. وبين دولة تسعى إلى استعادة سيادتها وإقليم يُعيد تشكيل توازناته بالقوة، يَطرح هذا المقال سؤال المرحلة: ما حجم المخاطر التي تفرضها الصراعات الإقليمية والميليشيات المسلحة على أمن لبنان واستقراره، وكيف يمكن أن تتطور هذه المخاطر مستقبلاً؟

 

أولاً) تحديات الأمن العربي ومخاطر الميليشيات وانعكاساتها على لبنان

يُواجه الأمن العربي تحديات متشابكة، أبرزها اتساع نفوذ الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة، وتداخل الدعم الخارجي بالصراعات الداخلية، وانتشار الصواريخ والمسيّرات، وتهديد الممرات البحرية ومنشآت الطاقة. كما تظهر التحديات في تجدد التوترات قرب باب المندب، وفي تعثر جهود حصر السلاح بيد الدولة في العراق، وقدرة هذه الجماعات على ربط أمن الدول بحسابات إقليمية تتجاوز حدودها وقرارها السيادي.

وتُجسّد الحالة اللبنانية أحد أكثر نماذج المنطقة وضوحاً لتداخل الصراع الإقليمي بالسلاح خارج سلطة الدولة. فمن جهة، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب والبقاع، وتُبقي وجوداً عسكرياً داخل الأراضي اللبنانية، فيما وُثِّقَ استخدامها للفوسفور الأبيض فوق مناطق سكنية في الجنوب على نحو أثار إشكالات جدية بموجب القانون الدولي الإنساني. ومن جهة أخرى، يرفض حزب الله التخلي عن سلاحه قبل الانسحاب الإسرائيلي، ويعارض اتفاق واشنطن الإطاري المؤرخ في 26 يونيو 2026م، الذي اعتمد مساراً متدرجاً يربط إعادة الانتشار الإسرائيلي بتثبيت سلطة الجيش اللبناني والتحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.

ويزداد المشهد تعقيداً بفعل التباين بين مسار إسلام آباد ـ الأمريكي / الإيراني، الذي شمل وقف العمليات العسكرية في لبنان من دون أن يجعل نزع سلاح الحزب شرطاً صريحاً لذلك، وبين مسار واشنطن الذي وضع ملف السلاح في صلب التسوية اللبنانية – الإسرائيلية، وانعكس هذا التناقض عملياً في تعثر التنفيذ وتجدد المواجهات، حول المواقع الاستراتيجية في الجنوب. وبين استمرار الضربات والوجود الإسرائيلي من جهة، وتعذر بسط الدولة سلطتها العسكرية الكاملة من جهة أخرى، يبقى لبنان أسير معادلة تنتقص من سيادته من طرفيها.

 

ثانياً) تداعيات الحرب على الاستقرار الإقليمي

أعادت الحرب رسم خريطة المخاطر في الشرق الأوسط على نحو تجاوز حدود المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ليمتد أثرها إلى أمن الخليج، وحركة التجارة الدولية، واستقرار أسواق الطاقة. كما كشفت التطورات المتلاحقة هشاشة مسارات التهدئة، مع استمرار الهجمات الصاروخية والمسيّرة واتساع تداعياتها إلى دول لم تكن طرفاً مباشراً في القتال، ما جعل أمن المنطقة أشد تعرضاً لارتدادات أي تصعيد جديد.

في قلب هذا المشهد، برز مضيق هرمز بوصفه إحدى أكثر نقاط الضغط الاستراتيجي حساسية، مع استهداف الناقلات واضطراب الملاحة وتراجع حركة السفن، لينتقل أثر الحرب من ساحات القتال إلى الاقتصاد العالمي وأمن الإمدادات. ولم تُبقِ المواجهة ساحاتها الأخرى بمنأى عن هذا التوتر، فالجبهات المرتبطة بالجماعات المسلحة في لبنان واليمن ظلت قابلة للاشتعال، وأضفت التطورات الميدانية في لبنان مزيداً من التعقيد على فرص التسوية، لا سيما مع إحكام إسرائيل سيطرتها العملياتية على أجزاء من تلة علي الطاهر ذات الأهمية الاستراتيجية لحزب الله، ما يضيف بعداً جديداً إلى معادلة الردع والسيطرة الميدانية في الجنوب.

والأكثر خطورة، أن الصراع الأمريكي– الإيراني أخذ يتجاوز منطق الضربات المتبادلة نحو حرب استنزاف بحرية واقتصادية ممتدة. إذ يتزامن التوتر حول هرمز مع تشديد واشنطن العقوبات على شبكات تصدير النفط والأسطول البحري الإيراني، بما يضع أحد أهم شرايين الطاقة العالمية تحت ضغط عسكري واقتصادي معاً. علماً أن التقاء التصعيد الميداني بالخنق الاقتصادي من شأنه أن يرفع احتمالات الردود غير المحسوبة، ويزيد مخاطر اتساع نطاق المواجهة، ويجعل الاستقرار الإقليمي رهناً بحسابات قد تُفضي إلى تصعيد يصعب احتواؤه.

 

ثالثاً) تقييم استجابة دول الخليج للتحديات الأمنية

أظهرت تطورات عام 2026م، أن دول الخليج انتقلت تدريجياً من إدارة التهديدات منفردة إلى البحث عن مظلة أمنية أكثر تنوعاً ومرونة، وذلك بعدما كشفت الهجمات على دول المجلس واضطراب الملاحة في مضيق هرمز حدود الاعتماد المفرط على الضمانات الخارجية. برز هذا التحول بوضوح في توقيع السعودية وتركيا وباكستان "اتفاق مكة للدفاع المشترك" في 7 أغسطس 2026م، الذي اعتبر الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، فأسس لنمط جديد من الردع الجماعي وتنويع الشراكات الدفاعية. كما عززت الإمارات تعاونها الدفاعي والبحري مع الهند ضمن إطار للشراكة الدفاعية الاستراتيجية، في حين واصلت قطر وعُمان توظيف الدبلوماسية الوقائية، إذ أسهمت الدوحة في مسار مذكرة إسلام آباد، بينما قادت مسقط محادثات مع طهران بشأن ترتيبات أكثر أمناً للملاحة في هرمز.

مع ذلك، تبقى الاستجابة الخليجية واعدة ولكن غير مكتملة، فقد أبانت الحرب استمرار غلبة الترتيبات الثنائية والثلاثية بين دول المجلس على الأمن الجماعي المؤسسي. في حين أن الاختبار الحقيقي مستقبلاً يكمن في تحويل هذه المبادرات المتفرقة إلى منظومة خليجية متكاملة للدفاع الجوي والبحري وحماية الطاقة، مقرونة بالدبلوماسية والردع معاً.

 

رابعاً) قدرة دول المنطقة على احتواء الميليشيات وحماية أمن الطاقة.

تبدو قدرة دول المنطقة على احتواء الميليشيات وحماية أمن الطاقة متفاوتة، ومتقدمة في الردع، أكثر منها في معالجة جذور الأزمة. ففي العراق، حددت الحكومة30 سبتمبر2026 م، موعداً لنزع سلاح الجماعات الخارجة عن سلطة الدولة، غير أن رفض فصائل نافذة موالية لإيران، كَشَفَ صعوبة استعادة احتكار القوة. كذلك، أكدت هجمات الحوثيين في اليمن على الملاحة ومصفاة جازان قدرة الجماعات المسلحة على نقل الصراع إلى شرايين الاقتصاد والطاقة.

أما الخليج، فواجه اضطراباً غير مسبوق في مضيق هرمز، شمل استهداف ناقلات نفط ولجوء بعض شحنات الغاز القطرية والإماراتية إلى النقل من سفينة إلى أخرى (Ship-to-Ship (STS)) خارج المضيق لضمان استمرار الإمدادات إلى الأسواق الآسيوية.

وعليه نرى، أن أمن الطاقة لا يُصان بالردع العسكري وحده، بل بحصر السلاح بيد الدول، وتجفيف تمويل الميليشيات، وتكامل الدفاع الجوي والبحري، وتنويع مسارات التصدير، وبناء ترتيبات إقليمية تحمي الملاحة والمنشآت الحيوية. وإلا ستبقى الطاقة إحدى أكثر نقاط المنطقة تعرضاً للضغط في أي مواجهة مقبلة.

 

خامساً) دور حكومة لبنان في احتواء الميليشيات وسحب سلاحها وقطع تمويلها

تقف الحكومة اللبنانية اليوم أمام اختبار يتجاوز نزع السلاح إلى إعادة بناء سلطة الدولة نفسها. فمنذ قرار مجلس الوزراء في أغسطس 2025م، انتقلت من طرح الاستراتيجية الدفاعية إلى تكليف الجيش بخطة تدريجية لحصر السلاح بالسلطة الشرعية. وفي فبراير 2026م، مُنح الجيش مهلة لاستكمال المرحلة بين شمال الليطاني ونهر الأولي، رغم رفض حزب الله. وأظهرت تجربة "زوطر الغربية" في يوليو 2026 م، أن التنفيذ ممكن حين يتزامن الانسحاب الإسرائيلي مع انتشار الجيش وتسلمه المسؤولية الأمنية، وإن بقي بطيئاً ومحفوفاً بالعقبات. كما تَحقَقَ تقدم في ملف السلاح الفلسطيني بعد تسليم أسلحة من عدد من المخيمات إلى الجيش.

لكن استعادة السيادة لا تكتمل بجمع السلاح وحده، بل تقتضي تجفيف مصادر إعادة التسلح والتمويل عبر الحدود والمرافئ والمطار، وتشديد الرقابة على التحويلات والشبكات المالية غير النظامية، وتعقب الشركات المواجهة والمستفيدين الحقيقيين، مع تفعيل القضاء والتعاون الدولي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الجماعات المسلحة. لكن النجاح يظل مرهوناً بمسار تدريجي يصون السلم الأهلي، ويُعزز الجيش والمؤسسات، ويتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي، بما يحوّل نزع السلاح من مواجهة داخلية إلى انتقال منظم للقرار الأمني إلى الدولة.

 

سادساً) استراتيجيات تحصين الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة من مخاطر الميليشيات

أثبتت تطورات 2026 أن تحصين الاستقرار الإقليمي يقتضي الانتقال من حماية مصادر الطاقة إلى ضمان استمراريتها في زمن الأزمات. وقد ظهرت بوادر هذا التحول فعلياً، إذ بعد اضطراب هرمز، لجأت دول خليجية إلى ترتيبات تشغيلية استثنائية لنقل الشحنات خارج مناطق الخطر، وسرّعت السعودية والإمارات مشروعات الموانئ ومسارات التصدير التي تخفف الاعتماد على المضيق. كما دفعت تهديدات المسيّرات والألغام البحرية الإمارات إلى نقل القضية إلى المنظمة البحرية الدولية، التي أقرت في مايو 2026م، سلامة الملاحة وحرية المرور. فيما أبرز الهجوم بطائرة مسيّرة على البنية الكهربائية قرب "محطة براكة النووية" في أبو ظبي، خطورة انتقال تهديد الجماعات المسلحة إلى المنشآت ذات الحساسية الاستراتيجية.

أما مستقبلاً، فالأجدى إنشاء:

- بروتوكول إقليمي لاستمرارية الطاقة يتيح التبادل العاجل للوقود والكهرباء واستخدام الموانئ والمنشآت البديلة عند تعطل أي مسار، مستفيداً من التوسع الجاري في شبكة الربط الكهربائي الخليجي.

- مركز موحد للوعي البحري والإنذار ضد التهديدات المنوعة.

- صندوق إقليمي لتأمين السفن والمنشآت ضد أخطار النزاعات.

- اختبارات دورية لخطط الطوارئ السيبرانية والتشغيلية، لأن الأمن الحقيقي للطاقة لا يقاس بمنع الضربة فحسب، بل بقدرة الدولة على استمرار الإنتاج والتصدير واستعادة التشغيل سريعاً، إذا وقعت.

 

سابعاً) مخاطر الانفلات الأمني والتهديدات المستجدة

يتخذ الانفلات الأمني في المنطقة اليوم صوراً تتجاوز النزاعات التقليدية، مع تلاقي انتشار السلاح والجماعات المسلحة، وتصاعد المواجهة الأمريكية - الإيرانية وتهديدات عابرة للحدود يصعب ضبط مصادرها. فقد شهد مطلع سبتمبر 2026 م، تجدداً للهجمات الصاروخية والمسيّرة على مواقع في البحرين والأردن والعراق والكويت، وكشف سرعة انتقال الأزمات إلى دول غير منخرطة مباشرة في القتال. كما اتسع نطاق التهديد في البحر ليشمل المسيّرات والزوارق غير المأهولة والألغام ضد السفن التجارية في الخليج ومضيق هرمز، وزاد تعقيد حماية الملاحة.

والأشد خطراً أن المواجهة امتدت إلى البنية المدنية التي تقوم عليها حياة الدول. إذ طالت الهجمات خلال 2026م، منشآت الطاقة والموانئ والمطارات ومراكز البيانات ومحطات الكهرباء والتحلية، بالتوازي مع هجمات سيبرانية استهدفت قطاعات حيوية. لذلك، يبرز خطر تزامن الهجوم المادي والسيبراني والبحري بطريقة تشل مرافق أساسية من دون حرب شاملة، وتفرض توسيع مفهوم الأمن الإقليمي ليشمل الأمن الرقمي والمائي والبحري وسلاسل الإمداد.

أما لبنان، فيبدو من أكثر الدول هشاشة أمام هذه البيئة، فتعدد مراكز القوة واستمرار المواجهة بين إسرائيل وحزب الله يجعلان أي تصعيد إقليمي قابلاً للارتداد سريعاً إلى الداخل. لذا، يغدو الخطر الأشد على لبنان في اجتماع الانفلات الميداني والحرب السيبرانية وامتداد الصراع الإقليمي إلى أراضيه، بما يجعل استقراره شديد التأثر بما يجري خارج حدوده.

 

ثامناً) السياسات والآليات الفاعلة لمواجهة التحديات الأمنية

تفرض طبيعة التهديدات الراهنة اعتماد سياسة أمنية متعددة المستويات تتجاوز الاستجابة العسكرية الآنية إلى بناء قدرة إقليمية دائمة على الاستباق والاحتواء. يقتضي ذلك تطوير شبكات مشتركة للإنذار المبكر، وتبادل البيانات الجوية والبحرية، وإنشاء آليات لإدارة الحوادث في الممرات البحرية، وخطط مشتركة لاستمرارية عمل الموانئ والطاقة والاتصالات عند تعرضها لهجمات أو أعمال تخريب.

يجب أن تستند هذه التدابير إلى إطار قانوني منضبط يقوم على سيادة الدول وحظر استخدام القوة وصون حق الدفاع الشرعي وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، واحترام حرية الملاحة. كما يقتضي الأمر تعزيز التعاون القضائي والاستخباري لملاحقة الهجمات العابرة للحدود وتمويل الجماعات المسلحة وتهريب الأسلحة، وإخضاع التدابير الأمنية لمبادئ الضرورة والتناسب والمساءلة.

أما في الدول التي تتعدد فيها مراكز القوة، وفي مقدمتها لبنان، فالأولوية هي تعزيز مؤسسات الدولة لا تكريس ترتيبات أمنية موازية، عبر دعم الجيش، وتفعيل القرارات الدولية، وربط نزع السلاح بضمانات وآليات تَحقُق واضحة، لجعل الأمن المستدام ثمرة القانون والمؤسسات والردع المشروع والدبلوماسية الوقائية، لا موازين القوة وحدها.

 

تاسعاً) تحديات الاستقرار الإقليمي وأمن إمدادات الطاقة

لم يَعُد تحدي أمن الطاقة في المنطقة مقتصراً على احتمال انقطاع الإمدادات، بل امتد إلى تراجع الثقة بانتظامها وارتفاع كلفة ضمانها سياسياً وتجارياً. فقد دفعت اضطرابات 2026م، وتزايد مخاطر القوة القاهرة وتعطل الشحن، مستوردين آسيويين وأوروبيين إلى المطالبة بعقود غاز خليجية أكثر مرونة، وضمانات لإمدادات بديلة عند التعذر، وهو تحول قد يؤثر في تنافسية المنتجين الخليجيين وشروط العقود طويلة الأجل.

في موازاة ذلك، تحولت كلفة التهديدات الأمنية إلى عبء اقتصادي متزايد، لارتفاع خسائر التأمين وأقساط أخطار الحرب. لذا بحثت السعودية إنشاء مظلة تأمين مدعومة من الدولة لتغطية مخاطر الحرب والعنف السياسي، للحفاظ على توافر التغطية التأمينية للسفن والشحنات والبنية التحتية، ودعم انسياب التجارة والحدّ من أثر المخاطر الجيوسياسية في بيئة الأعمال والاستثمار.

كما أعادت الأزمة توجيه استثمارات الطاقة نحو تنويع المصادر ومسارات الإمداد وتعزيز الإنتاج المحلي، في وقت تقلّصت فيه قدرة الأسواق على امتصاص صدمات جديدة، بعد هبوط المخزونات الحكومية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1990م، وتبدو التداعيات أشد وطأة على الاقتصادات شديدة الاعتماد على الاستيراد، ومنها لبنان، حيث تنتقل الصدمة مباشرة إلى كلفة الوقود والكهرباء والنقل والتأمين. ومن ثم، قد يكمن الخطر الأعمق في تحوّل عدم اليقين الجيوسياسي إلى عنصر دائم في تسعير الطاقة وتمويلها وشروط التعاقد عليها.

 

عاشراً) أولويات المواجهة لتحصين أمن المنطقة ومستقبلها

تؤكد تطورات الأسابيع الأخيرة، لا سيما تجدد الاشتباك الأمريكي- الإيراني في محيط هرمز واستهداف ناقلات تجارية، أن أولوية المرحلة المقبلة يجب أن تكون منع تحوّل الأزمات المتفرقة إلى نظام دائم من عدم الاستقرار. يقتضي ذلك ما يلي:

- إنشاء آلية إقليمية دائمة لمنع التصعيد تضم قنوات اتصال عسكرية وسياسية مفتوحة، ونظاماً سريعاً للتحقق من الحوادث وتحديد المسؤولية عنها قبل الانزلاق إلى دوامة الردود المتبادلة.

- وضع ميثاق إقليمي لحماية المنشآت المدنية الحيوية، وتحديداً مرافق الطاقة والمياه والموانئ والمطارات، للحد من استخدامها أدواتٍ للضغط أو ساحاتٍ للصراع.

- أما الدول التي تعاني ازدواجية السلطة الأمنية، وفي مقدمتها لبنان، فالأولوية فيها هي بناء مسار متزامن يجمع انسحاب إسرائيل وانتقال السلاح إلى سلطة الدولة، لمنع الفراغ الأمني أو الانفجار الداخلي.

- إلا أن الأهم مستقبلاً هو الانتقال من إدارة كل أزمة على حدة إلى عقد أمني إقليمي جديد يستند إلى قواعد واضحة لاحترام السيادة، وتسوية النزاعات سلمياً، وحماية الملاحة والمنشآت المدنية، ويضع آليات عملية للمساءلة ومنع التصعيد. فاستقرار المنطقة لن يُصان بمنع الحرب المقبلة فحسب، بل ببناء نظام يجعل الاحتكام إلى التسوية أكثر جدوى، والانزلاق إلى المواجهة أكثر كلفة وصعوبة.

 

الخاتمة

في منطقةٍ تتسارع فيها التحولات وتتسع دوائر الصراع، لم يعد الاستقرار يُصان بردود الأفعال، بل ببصيرةٍ تستبق الخطر، وإرادةٍ تُحسن صناعة القرار قبل فوات أوانه. في قلب هذا المشهد، يحتاج لبنان إلى أن يستعيد حقه في أن يكون صانعاً لمصيره، لا ساحةً لصراعات الآخرين، فالمعضلة لم تعد في معرفة حجم الأخطار، بل في امتلاك الإرادة التي تمنعها من أن تصبح قدراً دائماً.

مقالات لنفس الكاتب