إسرائيل مصابة بـ "داء الكلب". لقد تمكن منها سُعار القوة، حتى لم يعد أمامها، سوى خيارين: إما الانتحار أو القتل. الشهر الماضي، أعلن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو أن الدولة العبرية على وشك فتح جبهة قتال ثامنة مع تركيا، زاعماّ أنها ستنتصر فيها، كما انتصرت في السبع جبهات الأخرى، بدءًا بالحرب على غَزّةَ في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣م، وحتى الحرب مع إيران، بمساعدة الولايات المتحدة التي بدأت في ٢٨ من فبراير ٢٠٢٦م، وإن تبقت حرب هامشية (مؤجلة) مع مصر، لتكتمل حلقة النصر الإسرائيلي الكبير، بإقامة إسرائيل الكبرى، هذه المرة، ليس فقط من النيل إلى الفرات، بل لتتوسع شمالاّ من هضبة الأناضول، إلى منتصف شبه الجزيرة العربية، جنوباّ! الحقيقة: إسرائيل، وإن تورطت في حربٍ على سبع جبهات، لم تحسم بعد أيٍ منها، بالعكس؛ مازال ساسة إسرائيل وجزء كبير من شعبها يغطون في نومٍ عميقٍ، تكتنفه أحلام اليقظة، مستبدة بهم حالة مزمنة من "داء الكلب" (سُعار التوسع الإقليمي)، الذي ليس له علاج، سوى الانتحار أو القتل. إسرائيل التي يسرف جيشها في القتل، على مدى مسرح عمليات الجبهات السبع، هي في حقيقة الأمر أقرب للنزع الأخير، منها لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى، بنسختيها الأولية والجديدة (المُعًدّلَة).
إسرائيل منذ إعلان مشروع قيامها الأول، كان روادها الأوائل يعرفون مسبقاّ، انهم مقدمون على إقامة دولتهم في بيئة غير صديقة لهم ولن يُقبل بوجودها كنبتٍ طبيعي منها، سوى فرض وجودها بالقوة، وبالقوةِ وحدها، ما غيرها. من ساعتها و"فيروس داء الكلب" دخل جسد كيانها، ليظهر عليها ما ظهر منها من "سُعار القوة"، حتى شارف القضاء عليها، وقريباّ جداّ. منذ بداية التفكير في إيجاد وطناّ قومياّ لليهود في فلسطين أثناء فعاليات المؤتمر الصهيوني الأول (٢٩-٣١ أغسطس ١٨٩٧م)، وحتى الإعلان عن قيام إسرائيل (١٤ مايو ١٩٤٨م)، مروراّ بوعد بُلفور (٢نوفمبر ١٩١٧م)، وإسرائيل تتبنى (إقليمياّ) عقيدة توسعية، عمادها القوة والقوة المفرطة، التي، من وجهة نظر قادتها من الصهاينة الجدد، لا قبل لجيرانها وللعالم بها، ليصبح وجودها واقعاّ جيوسياسيًا، يقبله جيرانها والعالم، رغماّ عنهم، لا رضاءً وقناعةّ بوجودها.
لكن هناك عَوَارٌ استراتيجي وسياسي خطير في عقيدة الصهاينة التوسعية هذه المعتمدة، بشكلٍ وحيدٍ ومطلقٍ على متغير القوة بذراعيها (التقليدي وغير التقليدي)، معتمدةّ، بشكلٍ كبيرٍ، على دعم المتغير الخارجي الغربي (السياسي والاستراتيجي والمالي والأخلاقي)، كحاضنة "عضوية بيولوجية واستراتيجية" لـ "داء الكلب"، المصابة به، حتى أضحى مرضاّ عضالاّ، لا يرجى بُرئه. فات آباء الصهاينة الجدد، الذين قامت إسرائيل على أكتافهم، من أمثال ديفيد بن جوريون ومناحيم بيجن وليڤي أشكول وشيمون بيريز وجولدا مائير وموشي ديان، حقيقة: أن عنصرَ القوة ِالمطلقة (الرادعة المادية المهلكة)، الذي تبنوه عماداّ استراتيجياّ لإقامة وبقاء وتوسع واستمرار الدولة العبرية اليافعة، لابد أن يعتمد على موارد الكيان الصهيوني، الذي أنشؤوه، الفقير بطبيعة الأرض آلتي احتلوها (فلسطين)، لا على مصدرٍ خارجيٍ، مهما بلغ تبنيه وتعاطفه مع "القضية الصهيونية".
الغربُ والنظام الدولي، الذي بُني نظام الأمم المتحدة على أساسه، وبالذات الولايات المتحدة، لا يُضمن دعمهم ولا تعاطفهم مع القضية الصهيونية، للأبد. هذا ما ظهر جلياّ، بعد أحداث السابع من أكتوبر (٢٠٢٣م)، لتتساءل مجتمعات الغرب، لمَنْ يذهب ولاءها القومي، لإسرائيل أم لكياناتها الوطنية.. ومَنْ في حاجة للآخر إسرائيل أم دولهم الوطنية، ليتطور جدلٌ مصيري في مجتمعات الغرب، بالذات الولايات المتحدة، أيهما الأولى الإنفاق على أمن إسرائيل ومشاريعها التوسعية، أم على إشباع حاجات مجتمعات الغرب من سلع وخدمات استراتيجية، مثل: الأمن ومكافحة البطالة وتوفير الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وخدمات بلدية وضرورات حياتية مجتمعية. الأهم، من الناحية الاستراتيجية، في هذا التطور (التحول) في مجتمعات الغرب، تجاه إسرائيل، يتمثل في إرهاصات الشفاء من عقدة الذنب، تجاه اليهود، تحت سوط العداء للسامية، فإسرائيل بالنسبة لمجتمعات الغرب، ليست ممثلة لليهود (فإسرائيل شيء واليهود واليهودية، شيء آخر).. الموارد التي تعطى لإسرائيل، من الأولى انفاقها على مجتمعات الغرب. كما أن الدفاع عن أمن إسرائيل ووجودها، أظهر تكلفة سياسية وأخلاقية مضافة، خاصةّ بعد أن ظهرت حلياّ واستفحلت الخلفية والمرجعية العنصرية البغيضة في العقيدة الصهيونية المتجذرة في الشخصية الصهيونية، الكارهة للسلام والإنسانية، التي ظهرت جلية في سلوك وحركة مؤسسات النظام السياسي للدولة العبرية، في تعاملهم مع المسألة الفلسطينية، حيث لم تتورع مؤسسات الدولة النظامية، في اقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وثقتها مؤسسات إنسانية دولية، في تعامل أجهزة الأمن الإسرائيلية، ضد الفلسطينيين في غزة ومؤخراّ في الضفة الغربية. لم تعد مجتمعات الغرب هذه الأيام تؤيد إسرائيل (ظالمة وموغلة في الظلم)، كما كان الأمر، قبل أحداث السابع من أكتوبر ٢٠٢٣م.
من أهم أعراض "داء الكلب"، الذي ظهرت على سلوك المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بعد أحداث السابع من أكتوبر ٢٠٢٣م، هذا الإفراط اللافت في استخدام القوةّ المادية المميتة (الاستئصالية المهلكة)، ضد الفلسطينيين، التي تجلت في شكل سُعار سلوكي خطيرٍ ومقلقٍ أمنياّ وسياسياّ، وكأن إسرائيل أمِنت المحاذير السياسية والأمنيةّ والأخلاقية، لهذا السلوك غير المقبول مطلقاّ حتى من قبل أعتى حلفاء إسرائيل التقليديين، في الغرب. في أوروبا والولايات المتحدة، ولأول مرة، منذ قيام الدولة العبرية، ترددت بعنف خطابي وحركي، في شوارع مدن الغرب، صيحات مدوية، تندد بممارسات إسرائيل الأمنية المسعورة، وتنادي بصرخاتٍ زلزالية، ما تكره إسرائيل سماعه من تعاطف سياسي دولي قوي للفلسطينيين، منادين بشعار يكره الصهاينة سماعه (تعيش فلسطين حرة)، لتصبح المطالبة بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وقابلة للحياة، معبرة عن إرادة وتطلعات الشعب الفلسطيني، مطلباّ أممياّ، تطالب به كل شعوب الأرض ودوله (علناّ)، بما فيهم مجتمعات الغرب، وكل وأحرار العالم.
في مجتمعات الغرب تلك، بالذات في الولايات المتحدة، الذين ظَلّوا أسرى لعقدة الذنب ممثلاّ بوصمة العداء للسامية، طال التنديد بممارسات الأجهزة السياسية والأمنية الإسرائيلية، التي أصابهاّ "داء الكلب"، وظهر جلياً في سلوك تلك المؤسسات والأجهزة ورموز الكيان السياسي والأمني، في شكل سُعارٍ غير مسبوقٍ، في الاستخدام المفرط للقوة، أحرج ولأول مرة مؤسسات المجتمع المدني في تلك الأنظمة الغربية المؤيدة لإسرائيل، بلا تحفظ، (ظالمةّ هي ومفرطةّ في الظلم). لأول مرة في تاريخ الولايات تواجه جماعات الضغط في النظام السياسي الأمريكي، بانتقادات لاذعة للوبيهات الصهيونية، التي تدعم إسرائيل، وفي مقدمتها اللوبي الصهيوني (الإيباك) وتسعى لدعم إسرائيل بأموال دافع الضرائب الأمريكي، التي يرى مطلقو تلك الانتقادات أن تُصرف تلك الأموال التي تُعطى لإسرائيل بسخاء في الداخل لإشباع حاجات ضرورية للشعب الأمريكي في مجالات الصحة والتعليم والإعانات الاجتماعية والخدمات المدنية والأمن، لا أن تذهب لدولة مارقة على القانون الدولي، تُحَمِل الولايات المتحددة، ليس فقط أعباء مالية باهظة، بل أيضاّ، أعباءً سياسية وأخلاقية، تدفعها حكومة الولايات المتحدة، من سمعتها ومكانتها المهيمنة في النظام الدولي.
في هذا المتغير الخارجي، الذي تعتمد عليه قوة إسرائيل الرادعة، التي تشكل الركيزة الاستراتيجية الأساسية، لعقيدتها التوسعية، يكمن سلوك ساسة إسرائيل الصهاينة وسلوك أجهزتها الأمنية المسعورة، كأهم أعراض "داء الكلب"، منذ التفكير في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وحتى اليوم، إلى أن تأذن حركة التاريخ، بزوال هذا الكيان السرطاني، الموبوء بــ "داء الكلب" العضال.
الحرب القادمة، القريبة الحدوث، التي تكلم عنها بنيامين نتنياهو ستكون هي الحرب الحاسمة، لتتخلص المنطقة، ومحبو السلام في العالم، من هذا الكيان المصاب، بـ "داء الكلب" العضال ليوضع حلٌ نهائيٌ وحاسمٌ لمتغير القوة الغاشم، الذي يسبب "سُعَاراّ" متوحشاّ لكل حاملٍ للفيروس، المسبب لـ "لداء الكلب" المصابٌ به الكيان الصهيوني.






