التكلفة الشاملة المباشرة أو غير المباشرة للحرب الأمريكية / الإسرائيلية ـ الإيرانية، مرتفعة وعلى أكثر من دائرة من دوائر الصراع، وكذلك التكلفة ممتدة من حيث المدى الزمني ما بعد الحرب، فنجد هناك تكلفة سريعة وآنية، وأخرى متوسطة وبعيدة المدى، وبغض النظر عن الأرقام المعلنة أو تقديرات الخسائر التي ترصدها و تتوقعها مؤسسات المال الدولية أو خبراء الاقتصاد والعلوم الاستراتيجية، وتأثيرها على أطراف الصراع خاصة الذين انخرطوا في هذه الحرب، أو تحملوا تداعياتها، وكذلك على الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة وسلال الإمداد التجارية العالمية.
وفي الواقع خلفت هذه الحرب نتائج أخرى ربما أكثر تأثيرًا وخطورة من التكلفة المادية، بل ممتدة وغير معروف مداها الزمني، وكذلك اتساع رقعتها الجغرافية، وتداعياتها الدولية والإقليمية، أو الأطراف التي تتأثر بها أو التي تقع ضمن دائرة تداعياتها المستقبلية، حيث طرحت هذه الحرب العديد من الأسئلة التي لم تجد الكثير منها إجابات واضحة يمكن البناء عليها سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي، ومنها: هل أنهت هذه الحرب النظام الدولي الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟ خاصة على ضوء تهميش منظمة الأمم المتحدة أبرز مكونات النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية، على ضوء تفرد الولايات المتحدة بالقرار العالمي دون اللجوء لمجلس الأمن واتخاذ قرارات الحروب بإرادة منفردة بما يتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة، بل يرى البعض أن النظام العالمي الجديد أخذ يتشكل خارج المنظمة الدولية بالفعل حيث تتقدم أمريكا ومعها الصين ويتأخر الاتحاد الأوروبي وروسيا، وأن النظام الجديد يستند إلى شرعية المصالح والقوة المفرطة في غياب مبادئ القانون الدولي التي تأسس عليها عالم منظمة الأمم المتحدة، وقد تم ترجمة ذلك في حروب فنزويلا وقطاع غزة، بل القضية الفلسطينية برمتها، وفي أوكرانيا، وما يحدث حاليًا في إيران.
وعلى ضوء هذه المتغيرات سوف تكون دول العالم الثالث الأكثر تضررًا و سوف تدفع أثمان الهيمنة الكونية الجديدة الفالتة من الضوابط القانونية والأخلاقية، لذلك تنبهت العديد من دول العالم لخطورة هذه التحولات واتجهت إلى اتخاذ تدابير داخلية وإقليمية لتعزيز موقعها الجيوسياسي، وحماية مصالحها، والحفاظ على أمنها الوطني عبر إجراءات أمنية ذاتية، أو تشاركية، فلجأت إلى توطين صناعة الأسلحة الحديثة، وتعدد مصادر الأسلحة المستوردة والتركيز على المتطلبات والاحتياجات التي تفرضها الأجيال الجديدة من الحروب، خصوصًا بعد انتشار الميليشيات المسلحة ما دون الدولة والتي تستخدمها بعض الدول كرأس حربة في الحرب بالوكالة لتشتيت جهود الأطراف الأخرى، كما اتجهت هذه الدول إلى تدشين شبكة علاقات إقليمية ودولية قائمة على معاهدات دفاعية، وتبادل التكنولوجيا العسكرية التي تقوم عليها الصناعات العسكرية المتطورة حيث أوجدت الحرب الأخيرة نمطًا جديدًا من التسليح غير الذي كان سائدًا لسنوات، بدخول المسيرات قليلة التكلفة، والصواريخ الباليستية، والحروب السيبرانية والتخابر والاختراقات خلف الصفوف بعدة وسائل، ما جعل هذه الأسلحة أكثر تهديدًا ودمارًا من الأسلحة التقليدية أو حتى النووية التي تراوح مكانها دون استخدام فعلي باستثناء الاحتفاظ بها للردع الاستراتيجي فقط ولم تدخل حروبًا منذ قصف هيروشيما ونجازاكي في الحرب العالمية الثانية.
واستشعرت المملكة العربية السعودية هذه المتغيرات التي طرأت على النظام الدولي وبالتبعية النظام الإقليمي، وأيضًا طبيعة متطلبات المرحلة القادمة ، لذلك قطعت شوطًا مهمًا ورياديًا في امتلاك مقومات القوة على مختلف هذه الدوائر وكان ذلك قبل بدء الحرب الإيرانية الأخيرة بسنوات أي منذ البدء في وضع رؤية 2030 التي وضعت استراتيجية شاملة للتعامل مع متطلبات المستقبل بوضوح لتلبية الاحتياجات وفقًا للأولويات، ثم توالت الشراكات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، واتفاقيات الدفاع المشترك مع جمهورية باكستان الإسلامية العام الماضي، وأخيرًا جاءت اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية بين المملكة وباكستان وتركيا وجميعها تهدف إلى تعزيز دفاعات الدول الثلاث، لترسيخ مبدأ الردع والتوازن الإقليمي، حيث لا تهدف إلى الهجوم والاعتداء، أو تفجير أزمات إقليمية، بل لتحقيق الردع في إطار توازن إقليمي وتجنب الانزلاق إلى حروب إقليمية جديدة، كما أن هذه الاتفاقيات ليست مغلقة على أطرافها فقط، بل مفتوحة أمام دول إقليمية أخرى حال تطلب الأمر ذلك، مما يشجع المزيد من دول الإقليم على التخلي عن النزعات العدوانية والأطماع وإشعال الحروب، والانخراط مع المملكة والدول الأخرى في قبول العيش بسلام، والجنوح نحو الاستقرار والاتجاه للتنمية المستدامة والعمل على رفاهية الشعوب، حيث يكون الانضمام إلى هذه المعاهدات للتعاون الإقليمي ودعم السلام والاستقرار والتنمية المستدامة، وتجنب ويلات الحروب.






